‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 3 يناير 2010

«هرطقات» القاعدة!






د. أكرم حجازي

2/1/2010






صباح يوم جمعة (25/12/2009)؛ هبطت طائرة ركاب مدنية قادمة من مطار أمستردام في هولندا أرض مطار ديترويت حاملة على متنها 278 راكبا إثر محاولة تفجيرها جوا. وفي 28/12/2009 تبنى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب محاولة التفجير في بيان أصدره رفقة صور خاصة لمنفذ الهجوم النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب، نشرتها مؤسسة الملاحم الإعلامية التابعة للتنظيم. وخلال الأيام الأربعة الفارقة بين وقوع الهجوم وتبنيه عاشت الولايات المتحدة والدول الغربية حالة من التخبط الأمني والسياسي على كل المستويات وصلت إلى حد الصدمة.

وقبل أن تبدأ تصريحات الترقيع تشق طريقها إلى وسائل الإعلام بكثافة، بعد تبني القاعدة المسؤولية عن العملية، تقاذف المسؤولون الأمنيون والسياسيون الاتهامات في كل اتجاه؛ ابتداء من لحظة الهبوط الاضطراري وانتهاء بمسؤولية أجهزة الأمن والمراقبة والهجرة في لندن وأمستردام وواشنطن، وكل يتساءل مذهولا: كيف؟ كل هؤلاء وغيرهم في العالم أجمع يعترفون بالفشل والتقصير وحجم الكارثة، ويطالبون بإعادة النظر في الإجراءات الأمنية، وتجديد لوائح المطلوبين، وتحديد المسؤولية والمسؤولين عن الخلل وإعادة النظر بفحص المطارات وإجراءاتها الأمنية في عدد من الدول حتى لو تطلب الأمر تحويل المسافرين إلى عراة تحت الفحص الأمني.

من المفهوم أن التعبير عن الغضب والحنق عند الغرب يتخذ طابعا مهنيا مهما تأججت المشاعر العاطفية، بينما يبدو الأمر على النقيض حين يكون بمواصفات عربية، حتى لو صدر عن دبلوماسي في وزارة الخارجية اليمنية علق في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية (29/12/2009) على تهديدات القاعدة بالقول: « إن ما جاء في بيان هذا التنظيم الإرهابي هرطقات وتهديدات سخيفة جوفاء لا تستحق عناء الرد»! ومن الواضح أن التصريح عبّر عن قمة الغضب، لكنه بلغة مهنية ليس سوى الهرطقة بحد ذاتها.

بالمقاييس المنطقية فقد أُعدت العملية ونُسقت ونُفذت بهدف إيقاع خسائر بشرية كبيرة في ظروف معينة تكون لها تداعيات كارثية على كل مستوى سياسي وأمني واجتماعي واقتصادي وعسكري ... . لكن العملية بهذا المقياس فشلت كون الانفجار تقنيا لم يكتمل بحسب بيان القاعدة. والسؤال هو: إذا كان الركاب قد نجحوا في السيطرة على الموقف داخل الطائرة، ونجوا من موت محقق؛ فهل نجت تداعيات الحدث من الانفجار؟ الجواب قطعا بالنفي. إذ أن للحدث دلالات بالغة العمق والخطورة كما سنرى تاليا في سلسلة من الملاحظات.

خطوة أو اثنتين

تُذكِّر عملية الطائرة بتلك العملية التي نفذها عبد الله حسن العسيري من قاعدة الجزيرة في 27/8/2009، واستهدفت الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية السعودي للشؤون الأمنية. ففي العمليتين استخدمت القاعدة شحنات متفجرة صغيرة جدا فضلا عن تقنيات إخفاء لم تكن معهودة من قبل. ومع أن الهدف المباشر لم يتحقق من كلا العمليتين إلا أنهما حققتا اختراقا أمنيا مرعبا ومفاجئا لم يخطر على بال أحد. وكان من الممكن أن تكون العملية الأولى بمثابة ناقوس تحذير يدق أبواب أجهزة الأمن في العالم أجمع، لكن مثل هذا الأمر لم يحصل، والدليل على ذلك أنه لو حصل لما هاجمت القاعدة بنفس الطريقة تقريبا، ولما وقع الاختراق الثاني، ولما اضطر ركاب الطائرة للتدخل لإنقاذ أنفسهم. بل أنه وحتى هذه اللحظة لا تتوفر أية رواية قاطعة على الطريقة التي تم فيها إخفاء الشحنات المتفجرة ولا الآلية التي تم بموجبها اختراق أجهزة الأمن. وكل ما هنالك، حتى هذه اللحظة، مجرد تصريحات وتخمينات وتحليلات لا تختلف عما نفعله في هذه المقالة وغيرها. وهذا يعني بالتأكيد فشل أمني ذريع مثلما يعني أيضا أن القاعدة غدت متقدمة بخطوة أو أكثر على المستوى الأمني العالمي شاءت أجهزة الأمن أم أبت.

عناد لا يتوقف

أما الملاحظة الثانية، فهي أسوأ من سابقتها بالنسبة لخصوم القاعدة. وتكمن في كون هذه الأخيرة عازمة، وبعناد، على تطوير قدراتها الأمنية والتقنية، وماضية في حربها بلا هوادة. قد تكون فشلت في تحقيق الهدف المباشر في المرتين السابقتين، وهذا وارد، لكنها ليست في مرحلة اقتناص الفرص بقدر ما تبدو في مرحلة التنقيب والتطوير والدراسة والبحث العلمي والتصنيع وتجاوز العقبات التقنية والأمنية. ففي بيانها حول تفجير الطائرة تحدثت القاعدة بوضوح عن:

• وجود: « قسم تصنيع؛
• وعن جهد: « توصل ... إلى عبوة ذات تقنية متطورة ... تم تجربتها ... وثبت نجاحها وفاعليتها»؛
• وعن فحص العبوة أمنيا عبر: « تمريرها على أجهزة الكشف؛
• وعن وصول المنفذ: « إلى هدفه»؛
• وعن: « خلل فني أدى إلى عدم الانفجار الكامل»؛
• مع الوعد بأنها ستواصل الطريق: « ... حتى نصل لما نريد».

والسؤال هنا ليس عن قيمة الإجراءات الأمنية، ولا عن السلاح المستخدم، ولا عمّن تم تجنيده وأين، ولماذا؟ وكيف؟؛ بل: ما هي خطط القاعدة؟ وما هو رصيدها من الأمن والفاعلية؟ وأين ستضرب؟ وما هي نوع الأسلحة التي يمكن أن تستعملها مستقبلا إذا استمرت بهذا العزم والإصرار على محاربة الغرب وحلفائه؟




تمركز جديد للقاعدة

في الملاحظة الثالثة تبدو القاعدة عازمة، وبعناد أيضا، على استئناف خوض حربها في المركز وليس في الأطراف فقط. ومع ذلك فإن القول بأن اليمن مقبلة، مستقبلا، على لعب الدور المركزي للقاعدة على المستوى الدولي والإقليمي مسألة ليست ببعيدة عن طريقة القاعدة في العمل خاصة في ظل تجربة العراق، لكنها تحتاج إلى التأني قليلا رغم أن المؤشرات الأولى تدل على ذلك. هذه الخلاصة تمثل تأشيرة مرور شرعية للتساؤل التالي: هل نجحت اليمن، كمأوى جديد للقاعدة، في الإفلات من العقال الأمريكي – السعودي التاريخي؟ يبدو الأمر كذلك. والدليل على ذلك ما ورد في البيان ذاته. فالقاعدة، من جنوب الجزيرة، هذه المرة، وليس من أفغانستان، هي من تبنى محاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف؛ وهي من تبنى عملية الطائرة؛ وهي التي تتحدث الآن عن مسألة الأمن العالمي باعتباره معادلة متبادلة وليس بن لادن والظواهري وأبو اليزيد وغيرهم من رموز القاعدة وقياداتها. فقد ورد في بيان «الهرطقة» كما وصفه مسؤول يمني رسالة تهديد للأمريكيين بلغة صريحة، لا تصدر إلا عن القاعدة. أما التهديد فيقول: « بما أنكم تدعمون قادتكم وتقفون خلفهم في قتل نساءنا وأطفالنا، فابشروا بما يسوؤكم فقد جئناكم بالذبح وأعددنا لكم رجالاً يحبون الموت كما تحبون الحياة، وبإذن الله سنأتيكم بما لا قِبل لكم به، فكما تقتلون تُقتلون وإن غداً لناظره قريب».

أهداف منتقاة بعناية فائقة

تكشف رابع الملاحظات عن أن العمليات الخارجية والجديدة للقاعدة تؤشر على نوع من الأهداف مختلف عما سبق. فاستهداف الأمير محمد بن نايف هو استهداف في مستوى النخبة وليس استهدافا عاما لضباط أو مؤسسات أو حتى لمنشئات ومصالح أمريكية، كما أنه استهداف في مستوى القمة لدولة تكن القاعدة لحكامها عداء خاصا. وذات الأمر يمكن ملاحظته فيما يتعلق بطائرة ديترويت حيث المستهدف هو الولايات المتحدة بالتحديد وعلى أرضها وليس في هولندا ولا في الجو!

هذا يؤشر على أن القاعدة لم تعد تختار نخبة أهدافها فقط بل وألد أعدائها أيضا. وهذا تحد غير مسبوق في نمط التفكير العسكري للقاعدة، ولا شك أن عواقبه لن تسرّ الخصوم. فقد اختارت الأصعب والأعقد والأهم رغم أنه كان بإمكانها، بما تمتلكه من تقنيات وقدرات أمنية، أن تخترق أماكن حساسة أيضا لكنها أسهل من أن تفكر بشخصية في مستوى الأمير محمد أو تتجشم عناء اقتحام وسائل نقل تحظى بمراقبة أمنية بالغة الخطورة. إذ أن اختيار مثل هذه الأهداف يلزمها باجتياز أكثر من حاجز أو عقبة. فلماذا تغامر إذا كان باستطاعتها الوصول لما هو أسهل لاسيما وأن قدراتها اللوجستية في الإعداد والمراقبة والتنسيق والتنفيذ ليست بالقليلة في ضوء النجاح في الوصول إلى الأهداف؟! وما الذي تريد تحقيقه بالضبط من هكذا استراتيجيات؟ سؤال بغيض لن يستطيع المستهدفون الاستخفاف به أو التهرب من الإجابة عليه.

القدرة على الردع

الحقيقة أن الملاحظة الخامسة هي الأشد خطورة فيما يتعلق بقدرات القاعدة وعزمها على استمرار حربها بلا هوادة. فما يراه المسؤول اليمني « هرطقات وتهديدات سخيفة جوفاء لا تستحق عناء الرد» هو ما ينبغي أن يتوقف عنده هو وغيره قبل أن تطاله بعض «هرطقات» القاعدة. فقد جاءت عملية الطائرة بحسب بيان القاعدة: « للرد مباشرة على العدوان الأمريكي الظالم على جزيرة العرب، وذلك بالتنسيق المباشر ... مع المجاهدين في جزيرة العرب عقب القصف الوحشي باستخدام القنابل العنقودية وصواريخ الكروز التي أطلقت من السفن الأمريكية المحتلة لخليج عدن، على قبائل اليمن الأبية في أبين وأرحب وأخيراً في شبوة، وقتلهم للعشرات من نساء وأطفال المسلمين وقد قُتلت أُسر بكاملها ... ».

وإذا كانت المحاولة ردا فعليا على هجمات أبين فهذا يعني قطعا أن القاعدة لها خلايا نائمة وآمنة تماما وقادرة على التحرك في أية لحظة يطلب منها، وهو ما نقلته بعض وسائل الإعلام عن مصادر أمنية قالت أن منفذ عملية الهجوم على الطائرة النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب قد اعترف بوجود آخرين مستعدون للعمل. وهنا ثمة مشكلة عويصة فعلا في الفهم. فهل كانت التهديدات التي وردت في شريط الاندماج (23/1/2009) بين جناحي القاعدة الشمالي والجنوبي للجزيرة هرطقات؟ وهل محاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف وتفجير الطائرة من الهرطقات؟

بالتأكيد لم تكن كذلك ولا يجب النظر إليها بمثل هذه السفاهة حتى لو كانت تعبيرا عن غضب عارم. ولو أمعنا النظر في البيان لوجدنا أنه تحدث، لأول مرة، عن عمليات ردع وليس انتقام، وعن حرب ضروس كما وصفها أمنيون غربيون. بل أن البيان استعمل مصطلح « الحرب الشاملة» في استهداف « كل صليبي في جزيرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في البر والبحر والجو»، ولعل أغرب ما ورد فيه؛ تلك الفقرة المتعلقة بالثناء على نضال حسن ونهجه، ودعوة المجندين المسلمين في الجيوش الغربية إلى الاقتداء به، وهو الضابط الأمريكي الذي قتل في 3/12/2009 ثلاثة عشر عسكريا أمريكيا وجرح اثنين وأربعين آخرين حين أطلق نيران سلاحه على زملائه في قاعدة فورت هود العسكرية في ولاية تكساس الأمريكية. فمن المألوف أن القاعدة لا تتبنى أية جماعة مسلحة ولا حتى فردا؛ ما لم يحظ بتزكية عقدية أو أن يكون جزء من التنظيم. ولا شك أن وصفه بـ: « الأخ البطل المجاهد» لا يخلو من دلالة ما.

عقد قادم من الخوف

لا شك أن « هرطقات» القاعدة بالنسبة للمسؤولين اليمنيين أو بعضهم أعادت الأمريكيين والغرب وكل الخصوم إلى ما هو أسوأ من المربع الأول في الصراع، فما من أحد يستطيع القول، بعد الهجمات النوعية، أن القاعدة نائمة أو هزيلة أو يائسة أو في طريقها إلى التلاشي. والأصح أن الجميع يتفق على أنها باتت أخطر مما مضى. والعجيب في عمل القاعدة أنها سريعة في إعداد المخارج والخروج من الأزمات، فلما احتلت أفغانستان وطوردت القاعدة، كانت في العراق تنهض وتتصدر القيادة العالمية، وما أن أحست باجتماع الخصوم عليها حتى نقلت تجربتها وثقلها إلى أفغانستان والصومال، فانتعشت أيما انتعاش قبل أن تستعيد أنفاسها في العراق ثانية، لكن قاعدة الجزيرة بدت مستقرة أكثر من غيرها بعد توحدها ونقل مقر القيادة إلى الجنوب .. وها هي في موقع الصدارة اليوم محليا وإقليميا ودوليا. فإلى متى يستمر هذا الوضع؟ وما هي تداعياته؟ وما هي قدرات القاعدة على الصمود؟ أو ما هي قدرات الخصوم في الحد من اندفاعات القاعدة؟ قد نحصل على بعض الإجابات، لكن ليس خلال أيام .. ولا أشهر .. فكل ما لدينا مرحلة جديدة تذكر بـ 11 سبتمبر وقد تستمر إلى عشر سنوات قادمة في ظل مناخ من الخوف كما تقول مقالة رئس الحكومة البريطانية جوردون براون.

الخميس، 31 ديسمبر 2009

لماذا فشل الغرب بمواجهة "الجهاديين"؟

لجينيات ـ قال الكاتب الأميركي تيم راتن إن الغرب انتصر في الحرب الباردة، وإنه يمكنه توظيف بعض خططه التي استخدمها في تلك الحرب لإلحاق الهزيمة بما سماها ظاهرة "التطرف الإسلامي".

وحذر راتن في مقال نشرته صحيفة لوس أنجلوس الأميركية من توظيف من سماهم "السلفيين الإسلاميين" لشبكة الإنترنت لغير الأغراض التي وجدت من أجلها، موضحا أن تنظيم القاعدة وأنصاره المتنقلين في العالم يستخدمون الشبكة المعلوماتية في الدعاية والتثقيف بفكرهم وتجنيد العناصر والاتصالات الميدانية.

ومضى الكاتب إلى أن عمر فاروق عبد المطلب المتهم بمحاول تفجير طائرة أميركية فوق ديترويت في يوم عيد الميلاد كان قد "تحول إلى السلفية" في لندن وليس في مسقط رأسه نيجيريا، قبل أن ينتقل إلى اليمن حيث تلقى تدريباته لتنفيذ العملية.

وأضاف أن هناك تشابها كبيرا بين صراع الغرب مع القاعدة وصراعه مع الاتحاد السوفياتي السابق إبان الحرب الباردة، باستثناء فرق واحد واضح على الأقل يتعلق بالجبهة الفكرية الثقافية.

جبهات إستراتيجية

وقال الكاتب إن انتصار الغرب في الحرب الباردة انبنى على ثلاث جبهات إستراتيجية هي احتواء طموحات السوفيات عبر الوسائل العسكرية، وثانيها عبر التنافس الفكري من خلال الثقافة والأدب والفلسفة لكسب ود القلوب والعقول، مضيفا أن العامل الثالث تمثل في نشر الديمقراطيات الغربية في بعض دول الكتلة الشرقية في الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

ومضى الكاتب إلى أنه بالرغم من أن الغرب يحاول السيطرة على "الجهاديين" عبر الوسائل العسكرية كما هو حال في حربه على أفغانستان والحرب الأميركية السرية ضد القاعدة في المناطق القبلية اليمنية، فإنه فشل بشكل كبير على الجبهة الفكرية والثقافية.

وأوضح راتن أن معظم اللكمات المدمرة التي وجهها الغرب لما سماها "الاستبدادية السوفياتية" كانت عبر أيادي كتـّابه ومؤلفيه وأدبائه.

وتساءل الكاتب عن دور النقاد والمفكرين الغربيين ودور النشر الغربية في دعم ما سماها "أصوات العالم الإسلامي المعتدل"؟ وأين دورهم في كسب ود قلوب وعقول الإسلاميين، مستهجنا كون معظم "الجهاديين" كانوا قد عاشوا أو تعلموا في البلدان الغربية نفسها.

وأشار راتن إلى أن عمر فاروق عبد المطلب قد تخرج من جامعة بريطانية وأن خالد شيخ محمد قد تخرج من جامعة أميركية، وأن محمد عطا قد تخرج من جامعة ألمانية، مضيفا أن "فكر الجهاديين" -ممثلا في هؤلاء الرجال- إنما يرفض الديمقراطية والحداثة والمجتمع المتحرر، على حد قوله.

وكالات


الأربعاء، 30 ديسمبر 2009

اليمن نيران مشتعلة وأخرى تحت الرماد



مضى على عملي في جامعة تعز في اليمن عام واحد لما وقعت هجمات 11 سبتمبر 2001. وفي خاتمة أول رمضان يمر، بعد الغزو الأمريكي للعراق، تهيأ الناس للصلاة في ساحة الملعب البلدي، وفي الصباح افترشنا أرضا أشبعتها الأمطار رطوبة لدرجة الشعور ببعض القشعريرة، وصلينا، وكم كنت شغوفا لسماع ما سيرد في خطبة العيد صحبة الآلاف من المصلين، وغلب على ظني، أو أنني توهمت، أن الشيخ سيتحدث عن الكوارث والمحن التي تمر بها الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا به يصول ويجول في إنجازات الرئيس ويتباهى بنبرة متعجرفة، إلى حد الشماتة المقززة، فيما حل بأفغانستان والعراق: « الحمد لله أن بلادنا بخير وليست كالبلاد الأخرى! إن فخامة الرئيس حمى البلاد من أن تكون مثل أفغانستان .. الحمد لله ليس عندنا متطرفين .. ولسنا محاصرين ولا يهددنا أحد .. وها هي اليمن تنعم بالخير والأمن والأمان». هذا ملخص ما أنشده الشيخ! فالتفت من حولي؛ فوجدت أن ثلثي المصلين قد غادروا المكان، قلت في نفسي: ألهذا الحد تصل الشماتة بعباد الله؟ وفي يوم العيد؟ وهل هذا الشيخ يعي ما يقول؟ وهل هو وبلاده بمنأى عما يحصل في عالم المسلمين؟

قفلت راجعا وولدي إلى المنزل وأنا أتفكر مبهوتا مما سمعت. فليست هذه اليمن التي عشت مع عشرات الزملاء من أبنائها في الجامعات، وعايشت الآلاف منهم عن قرب ... فاستفسرت بعض الزملاء والأصدقاء اليمنيين عما قاله الشيخ الخطيب؟ فقالوا لي: هذا شيخ المؤتمر .. فلا تقلق. فضحكت. فسألني أحدهم: لماذا تضحك؟ فقلت له: من كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجارة. أيعقل أن نسمع هذا الكلام من شيخ وبالأمس ضربت القاعدة في عدن وفجرت المدمرة الأمريكية يو إس إس كول؟ أيعقل أن تكون البلاد بهذا الفقر المدقع والفساد فيما ينعم الشيخ بالأمن والأمان؟ أيعقل .. أيعقل .. أيعقل ..... ؟

بعد انفجار الحرب الحوثية في الشمال اليمني ( يونيو / حزيران 2004)؛ واندماج القاعدة بجزأيها الشمالي والجنوبي في الجزيرة العربية ( 23/1/2009) تحت قيادة واحدة؛ وتفجر الاحتجاجات الشعبية في الجنوب أو ما يعرف بالحراك الجنوبي (2007)؛ وبعد سلسلة الهجمات الجوية الأخيرة في أبين وشبوة وأرحب وما خلفته من عشرات الضحايا من الأطفال والنساء وددت لو أن شيخنا يفسر لنا ما يجري في اليمن؟ وأين وصلت إنجازات الرئيس؟ وهل الأمن والأمان الذي ينعم به الشيخ يشمل الضحايا الذين سقطوا؟ أم أنهم خارج المنظومة الأمنية والبشرية للمجتمع اليمني؟

حتى لو تجرأ وأجاب فلن يقول أقل مما قاله قبل خمس سنوات. فليسمح لنا بالقول أن ما يجري في اليمن هو فوق طاقته على الاستيعاب، إذ هو حصيلة سياسات دولية (أولا) أمريكية وإيرانية على وجه الخصوص، وحصيلة حسابات عربية وإقليمية بالتحديد (ثانيا)، وحصيلة أهم لاستحقاقات داخلية (ثالثا) وحصيلة لحراك اجتماعي (رابعا) ليس الفساد الشامل إلا أحد أبرز محركاته. وفي المحصلة فإن الدولة فاشلة ليس لأن الأمريكيون وصفوها كذلك، وهم صادقون، بل لأنها فاشلة وتصر على الفشل الذريع دون أن يرتد لمسؤوليها طرف من حياء أو منطق. لنعاين بعض ملامح المجتمع اليمني وما حل به على يد بعض أبنائه وحكامه.

لمحات عامة من المجتمع اليمني

صدق من قال أن اليمن هي أمة العرب. فاليمن هي الخزين الحضاري الوحيد لأمة العرب. وهي الناطق الرسمي الأقدم لتاريخ العرب وحضاراتهم وخصائصهم التي تنفرد فيها عن غيرها من الأمم. وهي الأمة الحية الفاعلة والفعالة للعرب منذ قديم الزمن، أما أهلها فيتوقدون ذكاء من صغيرهم إلى كبيرهم، وهي كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم يمن الإيمان والحكمة .. ويمن المدد والأمن والأمان. بلاد عجيبة حقا؛ فهي أحد أوتاد الأرض، وأولى القلاع العسكرية العربية، والمتنقل فيها، في فصل الشتاء، يلحظ الفصول الأربعة في يوم واحد. تضاريسها خلابة، مليئة بالخيرات، وأمطار سنة واحدة فيها تكفي الناس لمائة عام. لكن ومن يعش بين ظهرانيها اليوم يعجب مما وصلت إليه هذه الأمة من بؤس عجيب. فهي فقيرة وعطشى وجوعى ومسلوبة الإرادة والحرية، والفساد فيها متجذر في الدولة والمجتمع على السواء، وفي قمة الهرم الاجتماعي وأدناه، بل ويضرب مختلف الفئات العمرية.

المجتمع اليمني مجتمع قبلي، لكن التفاضل الاجتماعي فيه قيمي وليس طبقي، فهو قائم على المكانة الاجتماعية وليس على الرأسمال ولا على الثقافة، فالكل هناك رقم في القبيلة لكنه يتمايز عن غيره بمكانته الاجتماعية، وأرفع صور المكانة؛ تلك التي تميز بين الأشراف والأسياد أو العامة وأدناهم الأخدام، بقايا شريحة من غزو أثيوبي قديم تقطعت بها السبل وظلت الغالبية الساحقة جدا منها خارج الميزان القيمي والاجتماعي والديمغرافي وحتى الإنساني إلى يومنا هذا. أما ضعيف السلالة في اليمنيين فهو من لا يعرف من نسبه أكثر من حدود الجد الخامس.

ومع أن الغالبية في اليمن ما زالت على الفطرة؛ تصلي وتزكي وتصوم النهار وتقوم الليل وتجاهد وتتعاطف مع المحتاج والمسكين إلا أن قيم الناس باتت أشبه بأوحش القيم المستوحاة من التراث اليهودي الرأسمالي بأقبح صوره، بدء من الكذب والزور والبهتان والنصب والاحتيال والسرقة والرشا وانتهاء بالاستغلال والخداع والغدر ... ، وكأنها أمة تعيش في جاهلية ... قيم .. الكل يشكو منها ويعاني وطأتها، والكثير يمارسها!

تكاد الشخصية اليمنية تتماثل في مناطقها لكنها تختلف من حيث نظرتها للحياة، ففي الشرق حيث حضرموت تشعر بعمق الحضارة وصدق المعشر وأنت تعايش شخصية عزيزة النفس وذات عقلية تجارية تدرك من أين تؤكل الكتف لكن باحترام، بينما لا تعثر في الشمال، وخاصة في عمران، إلا على مثال للشخصية يتصف بالقسوة والسلوك الخشن بخلاف سكان الوسط حيث الشخصية اللينة القابلة للتشكل وغير الصدامية، أما في الجنوب فثمة شخصية متحضرة في عدن لكنها متوثبة في أبين والضالع وشبوة وعملية في الحديدة كحضرموت تماما رغم شدة الحرارة وقسوتها في الصيف.

الفساد

في عهد الإمام كان اليمن يعيش وفقا لفطرته التاريخية البسيطة .. مكتفيا .. لا يضيره كثيرا ما يجري في الخارج، قالوا عنه يمن التخلف .. لكن يمن الإمام لم يكن به فساد ولا مظالم كبرى إلا ما يخلفه الجهل بين جنباته أو ما تتركه حياة العزلة في شخصيته. واليوم ثمة دولة بها مؤسستان تعملان بكفاءة عالية هما: الأمن السياسي ووزارة المالية. ويا ويل من تورط بمشكلة أمنية أو مالية معها، فهذه لها كل الحقوق، ولخصمها كل الأذى حتى لو كان أبو زيد الهلالي. وثمة عشرات القصص عن الفساد والظلم الذي تشمئز من هوله أعماق النفس البشرية. فما من قطاع أو مؤسسة إلا ويفتك بها الفساد ويعشش بها المفسدون. ففي مؤسسات الدولة لا يتوقعن أحد أن يحصل على حقه من معاملة رسمية بسهولة إلا ما ندر. فأي معاملة أو سلوك إداري لا بد وأن تصطدم في لحظة ما بالرشوة .. تلك العقبة الكأداء المستوطنة في الأداء الإداري، والتي يمكن أن تتجلى في الخاتم الرسمي الذي يحتجزه الموظف في جيبه وكأنه من ميراث أبيه، ولا تنتهي المعاملة قبل أن يتلقى استحقاقه، أو يمكن أن يكون استلام المعاملة نفسها عقبة كأداء كجواز السفر مثلا أو يمكن أن تكون شهادة أو وثيقة يجب استخراجها أو تسجيل مولود أو فحص طبي أو ... كل هذه الأمور لا تسير إلا بعد دفع الرشاوي غالبا.

حياة الابتزاز والنصب والاحتيال والسرقة والرشوة يعيشها المواطن ويتعامل بها في كافة المؤسسات والقطاعات ويصمت مرغما أو باكيا أو طائعا، ويكفي أن نتصور مثلا ماذا يحل بالمرضى لما يستشري فساد مدقع في الجهاز الطبي؟ أو كيف يكون حال التجار لما يتسلط عليهم جهاز الترخيص والضرائب في الدولة؟ أو كيف يكون حال المشبوه أو المتهم إذا أدخل السجن خطأ أو صوابا؟ أو كيف يكون حال جندي لا يتعدى راتبه الشهري خمسون دولارا؟ أو كيف يكون حال الطلبة لما يتلاعب بمصيرهم مافيات التعليم وتزوير الشهادات أو المستوردين لمنتجات انقطاع الكهرباء؟ أو كيف يكون حال المدينة لو لم يدفع كبار تجارها رواتب عمال النظافة من طبقة الأخدام؟ أو كيف يكون حال مسؤول لو لم يكن له سفيه يأخذ على عاتقه تهزأة الخصوم؟ أو حتى كيف يكون حال المقيم الأجنبي لو لم يتهيأ لدفع « حق القات» اليومي؟

وفي المقابل لنتصور حال مجتمع ينفق الفرد فيه أضعاف ما يكسبه من عمله أو وظيفته، فمن أين يأتي بالمال؟ أو حال فرد هزيل اجتماعيا واقتصاديا ومع ذلك يدفع رشاوى بآلاف الدولارات ويوسط أهل الحل والعقد لكي يحصل على وظيفة بوّاب في مؤسسة عامة لكي يبتز المراجعين من الناس! ثم يتقاسم الحصيلة مع مسؤوله. أو حال مجتمع هيمنت على حياته ما يسمى الآن بـ « ثقافة الوَفَر» القائمة على الكسب. ففي الجهاز الإداري للدولة تتجلى هذه الثقافة بتوفير أقصى ما يمكن من الميزانيات ليصار إلى سرقتها رسميا. أو عبر تزوير الفواتير بشكل فظيع. ثقافة الكسب هذه تسري في المجتمع والدولة كالنار في الهشيم. ففي التجارة تتجلى صورها بالحيلولة دون الخسارة بأي ثمن، فإذا ما قام صاحب مصلحة بصيانة واضطر إلى التعطل لأيام أو أسابيع فعليه أن يعوض ما خسره من مرابح بأية وسيلة يراها ممكنة أو مناسبة، وفي المجتمع تتجلى في التسول، وفي التعليم بالنجاح لمن يستحق ومن لا يستحق، وفي الجهاز الطبي بالتجارة في آلام المرضى وحياتهم، وحتى في الأيدولوجيا والعمل الحزبي كل يكسب على طريقته. فالاشتراكي يكسب بالانتهازية والتزلف للحزب الحاكم والمؤتمري يكسب بعضويته والإخواني يكسب، راضيا أو مرغما، بالتحالف مع النظام، والقومي (ناصري أو بعثي) كان يكسب من صدام، والحوثي يكسب بالحرب ومن إيران والمذهب، وحتى الرئيس نفسه يكسب بمصاهرة هذه القبيلة القوية أو تلك الشخصية النافذة ... وهكذا.

لما تفجرت الأوضاع في جنوب اليمن حاول زعماء الجنوب سابقا ركوب الموجة، وبالتأكيد فلهؤلاء رجالهم وحضورهم. لكن المسألة في اليمن اجتماعية صرفة. فالجنوبيون يعتقدون أن الجنوب محتل من الشمال. والسبب في ذلك أن الشمال نقل تجربة الفساد لديه بالكامل إلى الجنوب؛ فسيطر على المؤسسات والمرافق العامة لدولة الجنوب واستأثر بالوظائف، ولم يترك لسكان المنطقة الشيء الكثير، وهم الذين كانوا ينتظرون لحظة الخلاص من الحكم الشمولي الذي طحن ثقافتهم وسخر من عقيدتهم وهيمن على مقدراتهم وقمع طموحاتهم وأمم أراضيهم. أما الأخطر فيكمن في مشكلة الأراضي. ففي اليمن ميزة عجيبة في السرقة تنفذها الدولة بشكل كامل. وهو ما أفقد الفلاحين حقوقهم ومزارعهم وأراضيهم التي يعتاشون منها.

فالأراضي زمن الحكم الشيوعي كانت ملكا للدولة، وهذه سيطر عليها الشمال. والأسوأ أن مافيات الفساد وجدت في الجنوب مرتعا خصبا للثراء غير المشروع عبر البلطجة أكثر مما هو في الشمال الذي استهلكته السنين وبات السكان يتعايشون معه وكأنه قدرهم المحتوم. فما هي حقيقة المشكلة؟

لنقل أن المشكلة تتعلق مثلا بقطعة أرض يملكها فعليا شخص ما. ثم يبيعها إلى شخص آخر. هنا لا بد من تسجيل القطعة في دائرة المساحة والملكية. وبعد جهد جهيد من الرشاوي يجري تسجيل القطعة باسم المشتري الجديد. لكن الموظفين المتنفذين في دائرة المساحة يقومون ببيع القطعة وإصدار سندات تملك لأكثر من مالك بمقابل مادي. وما أن يسعى أحد المالكين لاستغلال القطعة في عقار أو تجارة أو زراعة حتى يظهر مالك آخر يدعي ملكيته للأرض، ثم يرفع قضية يتم بموجبها وقف العمل ليظهر بعد حين أكثر من مالك للقطعة. ولحل هذه المشكلة تبدأ عمليات الرشاوى والترضيات والابتزازات تشق طريقها ليملأ كل جيبه من كيس الآخر، وأحيانا أخرى يأتي المالك الجديد بمجموعة من المسلحين قبل الشروع بالبناء، ويستوطنون المكان حتى يرتفع البناء أو ينتهي وتنتهي معه الإشكالات بالحسنى أو بالقوة.

وبمثل هذه الطريقة وغيرها جرى سرقة ممتلكات الناس. أما هؤلاء فلم تعد لديهم قدرة على تحصيل حقوقهم خاصة وأن الدولة هي الخصم والحكم. وبطبيعة الحال مثل هذه المشكلة منتشرة في كافة أنحاء اليمن بلا استثناء، بل أنها تضرب الكبير والصغير في البلاد. ولنتصور حجم المعاناة لأولئك الفلاحين أو الضعاف الذين يشكلون الغالبة الساحقة من السكان ويتعرضون لمثل هذه الممارسات التي لا يقوون على رد مظالمها. فما الذي يمكن أن يفعلونه؟ وما الذي يمكن توقعه منهم على ما يشعرون أنه ظلم لم يعد يطاق.

بعض الدول ضربها الفساد في مستوى النخبة، أما في اليمن فقد ضرب الفساد المجتمع والدولة حتى بات وكأنه قيمة اجتماعية يدافع عنها المنتفعون منها. ولو خيرنا بعض الشرائح الاجتماعية الفاسدة، خاصة في القطاع الإداري الحكومي، بين نظام حكم جديد وبين بقاء الحال على ما هو عليه لوجدناها تفضل الوضع القائم كونه يدر عليها مداخيل لا يمكن أن تحققها في ظل نوع من العدالة الاجتماعية أو النزاهة القضائية. أما الدولة فقد تعاملت مع القبائل بصيغة جاهلية. وهذه قبلت العلاقة بسبب عجزها عن تغيير الواقع. ومن راقب عمليات خطف الأجانب لا بد وأنه لاحظ أن مطالبها كانت اجتماعية كبناء مدرسة أو مسجد أو شق طريق أو توفير الخدمات أو الحصول على بعض المعونات والإغاثة. لكن الأسوأ أن الدولة كانت تستعين في القبائل لوأد خصوماتها السياسية، مستفيدة من نزاعات القبائل فيما بينها. والأمر يجري ببساطة. فإذا ما واجهت الدولة خطرا أو تمردا أو ضغطا من قبيلة ما فما عليها لردعها إلا التحالف مع قبائل أخرى. لكن بشرط أن ترفع الدولة يدها عن خصوم حلفائها بحيث تكون النتيجة استباحة قبيلة أخرى لا ناقة لها ولا جمل في الصراع.

يؤثَر عن العلامة الحضرمي ابن خلدون القول بأن الفساد مؤذن بخراب العمران. تلك هي بالضبط المسألة الاجتماعية في اليمن. فساد يستشري في جنبات الحياة. ونظام شوه الحضارة والتاريخ والقيم والدين والأخلاق والشخصية اليمنية، وأسكن المجتمع أمراضا لا حصر لها حتى بات اليمني خارج بلاده متفوقا ومستعيدا لحكمته وعزة نفسه بينما هو في داخلها ذليلا يتسول لقمة العيش حيث يستطيع، ويفقد عزته وشكيمته كي يستمر في الحياة.

أحد الخطباء ممن ساءه حال بلاده وشعبه استعرض في عظة رمضانية، بين ركعات صلاة التراويح، ما يجري في بلاده وكيف أصبح حالها فقال: معاذ الله أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخطأ حين قال: الإيمان يمان والحكمة يمانية .. لكن ليس يمن اليوم ولا أهله .. والله المستعان.

الغليان وانتشار القاعدة

على خلفية الفساد وإصرار المفسدين على المضي قدما حتى آخر رمق ظهرت المسألة الحوثية. فثمة فراغ كبير يمكن استغلاله بحيث تجد إيران موطئ قدم لها في رحاب نظام مؤهل لغزو صفوي. لهذا لم يبك عليه أحد حتى من أحزابه ومواطنيه. وظهرت القاعدة وظهر الحراك الجنوبي. لكن أهم ما يميز الاحتجاجات الشعبية في اليمن أنها ذات طابع فردي رغم أن المجتمع قبلي، ولا شك أن السبب في ذلك كون الفساد هبط من أعالي النخبة ليصل إلى الفرد وإلى مصالحه وإلى حياته وإلى قوته .. فأينما ولّى المواطن وجهه سيجد المشاكل بانتظاره: في المستشفى أو في المدرسة أو في الوزارة أو في الوظيفة أو في دائرة المساحة أو في الضرائب وغلاء الأسعار والفقر، أو في الوساطات والرشاوى والمحسوبيات، أو في الابتزاز والاستغلال أو .... ، وهكذا بات الفرد معنيا بالدفاع عن حقوقه وتحصيلها قبل الدفاع عن قبيلته. وهذا يعني أن الالتحاق بالقاعدة قد يكون فرديا أكثر منه قبليا. لكن لماذا القاعدة هي المرشحة أكثر من غيرها لحل المسألة الاجتماعية؟

في ذروة الحراك الجنوبي أصدرت القاعدة في 13/5/2009 كلمة صوتية لأميرها أبي بصير ناصر الوحيشي بعنوان: « إلى أهلنا في الجنوب»، وفيها حددت موقفها من الأحداث، وردت فيها على مَنْ صبوا جام غضبهم على الشمال ووصفوه بالقوة المحتلة، فقالت:

« إن ما يحدث في لحج والضالع وأبين وحضرموت وغيرها من ظلم وقهر ... لا يقره عقل ولا يرضاه إنسان ... إن ما تطالبون به هو حقكم كفله لكم دينكم ودفعتكم إليه فطركم ... وليست دعوتكم إلى رفع الظلم من الانفصال في شيء ... إننا في تنظيم القاعدة نؤيد ما تقومون به ... وندعوكم أن تحرصوا أن لا تعتدوا على إخوانكم المسلمين من الولايات الأخرى فلا ذنب لهم، وهم مظلمون مثلكم ... فقد نالهم حظٌ من الظلم في صنعاء والحديدة وتعز وغيرها مثل الذي نالكم وهم معكم في خندق مواجهة الظلم وهم يشعرون به كما تشعرون أنتم ولكنهم مغلوبٌ على أمرهم ... وسوف ينصرونكم بعون الله ويثأرون لقتلاكم فنحن أمةٌ واحدة جمعنا الدين ولا عز لنا بغيره».

وفي أعقاب الهجمات الجوية الأخيرة على أبين نزلت القاعدة إلى الساحة الاجتماعية وقدم أحد قادتها خطابا تحريضيا ودعويا أمام جموع المحتجين على المجزرة في تحد واضح للسلطة وأمام ناظريها، وكرر في خطابه ما ورد في كلمة الوحيشي عارضا تطبيق الشريعة كبديل عن النظام وقوانينه الوضعية، وكسبيل لتحصيل الحقوق المنتزعة من أصحابها. وقد قوطع الخطاب بصيحات التكبير والتأييد أكثر من مرة، وغادر عناصر القاعدة دون أن يمسهم أذى إلا من الغارة الجوية التي فتكت بالخطيب (عمير) فجرا بعد يومين من خطابه. فكيف يمكن للشريعة أن تعيد الحقوق لأهلها؟ ولماذا تبدو مغرية لمن فقدوا حقوقهم؟

الجواب صار عند صحيفة الـ « واشنطن بوست» الأمريكية منذ زمن، فكيف لا يكون عند أصحاب الشأن. فقد كتبت مراسلة الـ « واشنطن بوست» في إسلام آباد باميلا كونستابل مقالة عن تطبيق الشريعة في باكستان ونشرتها صحيفة الشرق الأوسط السعودية في 11/5/2009. وقالت فيها:

« لم تكن المطالبة بإقامة محاكم للشريعة الإسلامية في سوات مطلب طالبان وحدها، بل كانت مطلبا عاما نتيجة للسخط العام الشديد على نظام المحاكم العلماني الذي لقي انتقادات بالبطء والفساد وامتداد النظر في القضايا إلى عشرات السنين وقدرة الأشخاص النافذين في باكستان على رشوة الشرطة والفوز في القضايا على حساب خصومهم من الفقراء، في حين تتميز المحاكم الإسلامية بأنها أصغر وأسرع وأرخص».

ثم عادت الصحيفة ثانية في 8/12/2009 عبر مراسلها غريف ويت ليكتب تقريرا من ولاية لغمان الأفغانية عن رأي الناس والقبائل في حكومة الظل التي تقيمها طالبان بموازاة حكومة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، المتهمة بممارسة فساد واسع النطاق، وأشار التقرير إلى أن: « الأفغان، في كثير من المناطق، يفضلون سلطة طالبان القاسية والحاسمة على الفساد وعدم الكفاءة التي تميز بها من يعينهم كرزاي». ونقلت الصحيفة عن نائب برلماني أفغاني أن أحد قادة القبائل قال له: « إن الوضع بدأ يتحسن بعد ظهور ما يعرف بحكومة الظل التابعة لحركة طالبان»، مستشهدا بالقول: « لم تعد هناك سرقة .. لم يعد هناك فساد.. فطالبان استطاعت أن تطبق الشريعة الإسلامية». وأوضح برلماني آخر هو خالد باشتون: « إنه سمع أثناء زيارته لقندهار مؤخرا بعض المواطنين يعربون عن ارتياحهم لقضاة طالبان»، قائلين إن :« الشريعة الإسلامية أسرع في الحكم في القضايا، فبإمكانك الحصول على الحكم فور عرض القضية على القاضي، أما لو عرضتها على محاكم الدولة فستأخذ سنة أو سنتين وربما لن تحل مطلقا، أما مع طالبان فلن تستغرق القضية سوى ساعة فقط».

لعل هذا هو بالضبط ما قصدته بيانات وخطابات قادة القاعدة. فإذا ما استطاعت القاعدة أن تفرض سيطرتها على بعض أشد المناطق تضررا من الفساد؛ وهو ما تلوح مؤشراته في الأفق ، وتوفر حلولا سريعة للمسألة الاجتماعية؛ فلماذا يراهن الفرد على القبيلة التي فشلت في حفظ حقوقه ناهيك عن حياته؟ ولماذا يراهن الفرد على الحراك الجنوبي الذي يمكن بالمحصلة احتواؤه طالما أنه يدور في فلك سياسي أكل عليه الدهر وشرب؟ فإذا ما توارت الدولة مرغمة سيتوارى معها اللصوص والفاسدون الذين سيضطرون إلى مغادرة المناطق بحيث يمكن إعادة توزيع الأراضي أو على الأقل النظر في المظالم المتعلقة بها وبغيرها. وقد تحصل على مبايعات واسعة النطاق ليس من الأفراد فقط بل ومن القبائل نفسها رغم أن القاعدة لا تعول على القبائل بعد أن خذلتها بحسب كلمة بن عمير في تأبين ضحايا مجزرة أبين. هذا ما سبق وحصل في وسط وجنوب الصومال تحت حكم حركة الشباب المجاهدين، وهو ما حصل في وقت ما في العراق حيث أمكن السيطرة على العشرات من النزاعات القبلية التي استمرت لعقود دون أن تجد لها حلا فإذا بها تختفي في بضع ساعات عبر تطبيق الأحكام الشرعية.

استهداف اليمن

في أواخر سنة 2002 نفذت طائرة أمريكية بدون طيار عملية اغتيال لأحد قادة القاعدة في اليمن هو علي سينان الحارثي (أبو علي)، فقتلته مع خمسة من رفاقه في صحراء مأرب وهو يستقل سيارة لاند كروزر صغيرة. وما أن نفذت عملية الاغتيال حتى أعلنت الولايات المتحدة مسؤوليتها بينما قالت السلطات اليمنية أن الحادث نجم عن انفجار في السيارة. وظلت السلطات اليمنية تماطل في تحديد الجهة المسؤولة عن الاغتيال قرابة الشهر إلى أن طالب نواب في البرلمان اليمني باستجواب رسمي للحكومة التي اعترفت بأن العملية تمت بالتنسيق مع السلطات الرسمية.

رصد شهود عيان استطلاعات جوية منذ عدة أشهر، لطائرات يغلب الظن أنها أمريكية، وشملت هذه الاستطلاعات مديريات الصعيد ونصاب ومرخة في محافظة شبوة، وفي محافظة البيضاء حلق الطيران على المناطق الجبلية من مديرية ناطع ومديرية مسور وأسفل حدود مديرية الصومعة ومديرية جيشان في محافظة أبين. وكانت أول الغارات الجوية من نصيب سكان قرية باكازم في محافظة أبين والتي أودت بحياة خمسين فردا من الأطفال والنساء والرجال فضلا عن مئات من رؤوس الماشية. فقد قصفت طائرات أمريكية بحسب قناة الـ ABC التلفزيونية، بعض البدو الرعاة في المنطقة في 17/12/2009، وكان من بين القتلى أكثر من ثلاثين طفلا وامرأة. ورحبت الولايات المتحدة الأمريكية بلسان رئيسها وكذا مصر بالمذبحة. وكان، رايان روس، الصحفي الأمريكي في القناة، أول من نشر خبر المذبحة مشيرا إلى أن: « الإذن بالهجمات جاء من الرئيس أوباما شخصيا»، مؤكدا أن: « الجيش الأمريكي هاجم موقعين مختلفين في اليمن بصواريخ كروز». أما السلطات اليمنية، فقد اعترفت بأنها المسؤولة عن تنفيذ سلسلة من العمليات في أبين وأرحب رغم أن كل المؤشرات تدل على أن الطائرات الأمريكية هي من نفذ الهجوم.

في 21/12/2009 ألقى أحد قادة القاعدة كلمة في جموع الغاضبين على مجزرة أبين. وفي 24/12/2009 نفذت الطائرات سلسلة جديدة من الغارات فجر الخميس استهدفت مزرعة آل عبدالله بن دحة في منطقة رفض الواقعة بالقرب من مديرية الصعيد بمحافظة شبوة أو ما يعرف بمنطقة العوالق العليا. وقد أسفرت الغارة عن مقتل ستة أفراد من بينهم طفل وصاحب الكلمة محمد أحمد صالح بن عمير.

المراقب لما يحدث في جنوب الجزيرة العربية لا بد وأنه لاحظ أن الحرب الحوثية السادسة انفجرت فجأة وانطفأت كذلك! ولا يغير في هذا الأمر بقاء بعض المناوشات في بعض الأحايين بحكم سخونة المنطقة والانفلاتات بين الحين والحين. لكن إذا كان الرئيس اليمني نفسه قد أعلن في نهاية الجولة الخامسة من الحرب بأن الحرب انتهت فمن الذي أشعلها إذن وأدخل السعودية فيها بعد صمت دام قرابة الخمس سنوات على اشتعالها للمرة الأولى؟ ولماذا تنطفئ فجأة بعد جلاجل إعلامية صاخبة في المنطقة وأنباء عن تدخلات لقوات عربية قيل أنها فشلت في ردع الحوثيين؟ ولماذا تعارض أغلب الأحزاب اليمنية سياسات الدولة فيما يتعلق بالحرب أو إدانة الحوثيين؟

سؤال بسيط: بعض المصادر اليمنية تقول أن بعض ضباط الجيش اليمني يعارضون إنهاء الحرب مع الحوثيين؛ إذا كان الأمر هكذا، وهو المرجح، فمن يحكم اليمن؟ ومن يتخذ القرار فيها؟ هذا السؤال نطرحه في سياق التصعيد المفاجئ ضد القاعدة. إذ من الصعب القول بأن نظاما يمكن أن يتخذ قرارا من هذا النوع وهو يواجه أربع جبهات مفتوحة عليه. فالحوثيون في الشمال والقاعدة في الشمال والغرب، وهناك الحراك الجنوبي على أشده، وأحزاب سياسية ناقمة على النظام، ومجتمع مفكك، وضباط من داخل الجيش يصعدون الوضع مع الحوثيون. فما هي مصلحة النظام في تصعيد الموقف؟ وهل يستطيع أي نظام قوي أن يغامر بتسخين جبهة وتبريد أخرى كما هو الحال في اليمن؟

في أعقاب الهجمات الجوية أصدرت القاعدة بيانا مكتوبا (27/12/2009) قالت فيه أن مجزرة أبين: « تمت باتفاق وتنسيق يمني، أمريكي، مصري، سعودي، وبتعاون من دول الجوار»، مشيرة إلى: « تخبط وكذب الحكومة اليمنية في تصريحاتها الإعلامية حيال مجزرة أبين، بزعمها أن الغارات يمنية في حين أنها أمريكية باعتراف الأمريكان».

الحقيقة أن المشكلة تكمن في السياسة الجديدة للولايات المتحدة والتي تركز، كما هي عادة الديمقراطيين في الحكم، على المسألة الأمنية. ومن أجل السيد أوباما وبقائه مع حزبه في الحكم لأطول فترة ممكنة؛ يجب محاصرة كافة بؤر المقاومة والتوتر في العالم الإسلامي حتى لو تطلب الأمر احتلال الجيوش المحلية والأجهزة الأمنية للدول بحيث تصير فقط أداة بيد الأمريكيين.

فقد توقفت الحرب مع الحوثيين بموجب مصالح أمريكية إيرانية مشتركة تتعلق بملاحقة القاعدة حيث تكون. وقد جهد الأمريكيون في الحفاظ على علاقة مصلحية مع الإيرانيين حتى أن الرئيس الأمريكي أوباما علق على فوز أحمدي نجاد بالقول أن الانتخابات الإيرانية هي شأن داخلي، وأوكل مسألة الملف النووي لفرنسا على أن تتولى بريطانيا مسؤولية الملف الداخلي لإيران وهو ما حصل فعلا. وهذا لا يضير الإيرانيين الذين نجحوا على الأقل، ظرفيا، بتحييد الضغوط الأمريكية بما يكفي لجعل الضغوط الأوروبية ضدهم قليلة الفاعلية إن لم تكن معدومة ويسمح باستمرار المراوغة الإيرانية وكسب الوقت بتواطؤ أمريكي فاضح. وفي هذا السياق تأتي الهجمة الأمريكية على أفغانستان عبر زيادة القوات إلى أقصى مدى ممكن، وإذلال الجيش الباكستاني عبر إخضاعه لشروط مهينة فيما يتعلق بالمساعدات الأمريكية المقدمة لباكستان، وفي نفس السياق يأتي بناء الجدار المصري العازل على غزة.

كلها سياسات أمريكية وقرارات أمريكية لا شأن للعرب والأمة فيها إلا الرضوخ التام بلا ثمن، وأيا كانت النتائج. وهذه حماقة لا مثيل لها في تاريخ الأمة قاطبة. وكم كان ملفتا للانتباه تلك المقابلة التي أجراها الصحفي اليمني عبد الإله الشائع مع فهد القصيع (24/12/2009) أحد المتهمين السابقين بتفجير المدمرة يو إس إس كول. ففي المقابلة سئل « قصيع» عن دور الضباط اليمنيين في التحقيق معه:

« س: هل كان التحقيق معك مباشرا أم عبر هؤلاء الضباط ؟
ج: كان مباشرا، رغم أن الرئيس كان يتكلم في الإعلام يومها بأنه لا يسمح للأميركيين بالتحقيق المباشر معنا لأن دستوره لا يسمح بذلك، وفي حقيقة الأمر كان المحققون الأميركيون يسألوننا مباشرة وجها لوجه والضباط اليمنيون مستمعون فقط».

هذه هي الحقيقة! فما يجري في اليمن هو عينه ما يجري في الضفة الغربية من سحب للسلطة وخاصة للملف الأمني ووضعه تحت الوصاية الأمريكية الإسرائيلية. وهو عين الأمر في باكستان وأفغانستان ومصر وغيرها. وهو عين ما يجري التحضير له في السودان. لكن من سوء حظ الضربات الجوية التي نفذتها طائرات الولايات المتحدة، بلا نتيجة تستحق المغامرة، أنها فضحت الدولة اليمنية، وكشفت أوراقها بسرعة فائقة. وهذا من شأنه أن يسهل على القاعدة تعيين سمت المواجهة القادمة، وربما يكسبها زيادة ملحوظة في شعبيتها مقابل خسارة حكومية وأمريكية مجلجلة. فمن يستطيع أن يتهم القاعدة بعد مذبحة أبين أنها تقتل المدنيين؟ ومن يستطيع أن يمنع الآلاف من مبايعتها؟ شيخ يغطي الشمس بغربال؟

د. أكرم حجازي

الأربعاء، 29 أكتوبر 2008

البشرية ستحتاج الى كوكبين مع حلول العام 2030

باريس-سانا

أكد الصندوق العالمي لحماية الطبيعة أن البشرية ستحتاج إلى كوكبين مع مطلع2030 لتلبية احتياجاتها في حال استمرت انماط الاستهلاك الجارية على حالها.

وقال الصندوق في تقرير له بعنوان "الكوكب الحي 2008"..إن البصمة البيئية للعالم والتي تقيس استهلاك البشر للموارد الطبيعية باتت تفوق قدرات الكوكب على التجدد بحوالي30 في المئة.

وأضاف أن السنوات الخمس والأربعين المنصرمة شهدت ازدياد الضغوط البشرية على الكوكب باكثر من الضعفين بسبب النمو السكاني وارتفاع الاستهلاك الفردي مشيرة الى ان هذا الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية يؤدي إلى استنزاف الأنظمة الحيوية فيما تتراكم النفايات في الهواء والتربة والمياه.

وأوضح التقرير أن اقتلاع الغابات وشح المياه وتقلص التنوع الحيوي والخلل المناخي الناجم عن انبعاثات غازات الدفيئة تفرض ضغوطا متزايدة تعيق توفير مستوى معيشة جيد لمختلف الدول وتنميتها.

ولفت التقرير إلى أن مؤشر الكوكب الحي الذي تمت بلورته لقياس تطور التنوع الحيوي العالمي ويشمل1686 من الحيوانات الفقرية من مناطق العالم كافة تراجع حوالي 30 في المئة في السنوات على مدى 35 عاماً.

واستخلص التقرير..أنه أمام تراجع المؤشر"تترسخ قناعة أكبر بأنه سيكون من غير المرجح تحقيق الهدف المتواضع لاتفاقية ريو دي جانيرو حول التنوع الحيوي المتمثل في الحد من اضمحلال التنوع الحيوي العالمي مع حلول العام 2010.

وبالإضافة إلى البصمة البيئية ومؤشر الكوكب الحي يعرض التقرير مقياساً ثالثاًُ هوالبصمة المائية الذي يقيس الضغوط على موارد المياه الناجمة عن الاستهلاك على المستوى الوطني والاقليمي والعالمي.

وأشار التقرير إلى أن الثروة المائية موزعة بصورة متفاوتة حول العالم وبالتالي فإن حوالي50 بلداً سيواجه ضغوطاً مائية بين معتدلة وخطيرة وأن أعداد الأشخاص الذين يعانون من شح المياه طوال العام أو موسمياً التغيرات المناخية سيرتفع.

غينتشر: أميركا فقدت هيمنتها الأحادية على العالم




غينتشر ينصح الرئيس الأميركي المقبل بالاستفادة من أخطاء سلفه (الجزيرة نت)

تامر أبو العينين-زيورخ

قال وزير الخارجية الألماني السابق هانز ديتريش غينتشر إن الولايات المتحدة فقدت مكانتها كقوة منفردة على الساحة الدولية، سواء في الاقتصاد أو السياسة، مؤكدا أن التعددية القطبية في العالم واقع لا يمكن تجاهله.

جاء ذلك في ندوة نظمها "نادي الكفاءة" الاقتصادي السويسري الثلاثاء بزيورخ حول مستقبل الولايات المتحدة.
وقال غينتشر إن السياسة الأميركية في عهد الرئيس جورج بوش أصابت الأوروبيين بخيبة أمل كبيرة، لاعتماد إدارته على مبدأ الانفراد بصناعة القرار، وتقسيمه شركاءه في القارة بين أوروبا قديمة وأخرى حديثة، في حين أن الأصل في الشراكة هو الرؤية الثنائية.
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي القادم يجب أن يعي جيدا أن بلاده الآن وسط عالم متعدد الأقطاب، وفسر ذلك بأنه "ليس عودة إلى تنافس روسي أميركي، حيث تجب إزاحة موسكو لتحكم واشنطن العالم، بل توجد قوى عالمية قائمة ليست أفضل عسكريا بالضرورة ولكنها أكثر استقرارا من الناحية الاقتصادية".

نصائح
ونصح غينتشر ساكن البيت الأبيض الجديد بالعودة إلى أوروبا "حليف بلاده التقليدي والتعاون معها لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي لن يتم بجهود فردية".

وقال إن الإدارة الأميركية تدرك أن مصالحها الاقتصادية مع اللاعبين الجدد، بدليل أن آخر زيارة لبوش إلى الصين كانت بهدف إقناع الصينيين بعدم سحب أموالهم من المصارف الأميركية وليس لمتابعة الألعاب الأولمبية، كما يدرك الأوروبيون أن مصالحهم الاقتصادية في آسيا ولم تعد في الولايات المتحدة.

ويجب على الولايات المتحدة –حسب رأيه- إدراك أن العالم لا يقبل الآن بأن يكون هناك رابحون على حساب أقلية تخسر لأن الحركة الاقتصادية اليوم أصبحت تعتمد على تقاسم الكعكة، وهو ما لم تفهمه الإدارة الأميركية في عهد بوش، التي لم تستغل ما لديها من إمكانيات في تحسين العالم.
حل جماعي
أما الأزمة المالية الراهنة فقد رأى غينتشر أن حلها يجب أن يكون جماعيا وبقواعد يحترمها الجميع تتمتع بالشفافية، "وإذا رفض الأميركيون تلك القواعد فليدركوا أنهم بذلك يعززون روح العداء لبلادهم".
جانب من المشاركين في الندوة (الجزيرة نت)

ووصف مراقبة الدولة للنظام المالي والاقتصادي بأنها يجب أن تكون أشبه بحَكَم مباراة كرة قدم يراقب اللاعبين ويشير إلى الأخطاء ويجب احترام قراره، ولن يتمكن هذا الحكم من اكتشاف الأخطاء إذا أصر بعض اللاعبين على اللعب في الخفاء.

ورأى السياسي المخضرم أن باراك أوباما نجح في اختيار لغة الحوار التي تحدث بها إلى الناخبين حين وعدهم بالتغيير، مستشعرا حاجة الأميركيين لذلك، وهو ربما ما مكنه -رغم أصوله الأفريقية- من الوصول إلى التنافس على الرئاسة.

يذكر أن هانز ديتريش غينتشر (81 عاما) قد شغل منصب وزير خارجية ألمانيا في الفترة ما بين عامي 1974 و1992 في تسع حكومات ألمانية برئاسة فيللي برانت وهيلموت شميت وهيلموت كول على التوالي، كما عايش تغير السياسة الأميركية منذ جيرالد فورد وحتى منتصف فترة جورج بوش الأب الرئاسية.
المصدر: الجزيرة

الأربعاء، 8 أكتوبر 2008

الهلع الجديد يؤكد: الأزمة دخلت مرحلة الدوري الكبير




توني جاكسون من لندن - - 08/10/1429هـ
حالة الهلع الجديدة التي اندلعت أمس في الأسواق العالمية كانت الدليل النهائي على أنه فيما يتعلق بالأزمات المالية فإننا دخلنا الآن مرحلة الدوري الكبير. مقارنة الأزمة الحالية بفقاعة الدوت كوم أو حتى بالأزمة الآسيوية لعام 1997 ليست ملائمة. يجب أن نعقد المقارنة على مستوى انهيار البورصة عام 1987 أو عام 1929.
حين ننظر إلى الأمور الآن بعد وقوعها بزمن، نجد أن انهيار البورصة عام 1987 كان محصوراً أكثر مما هي عليه أزمة اليوم. في ذلك الحين بدا الهبوط القصير الوحشي في الأسهم العالمية على أنه مقدمة لهبوط في الاقتصاد الحقيقي لا يقل حدة عن الأزمة. ولكن العالم الحقيقي تابع المسير، وبقيت فئات الموجودات الأخرى سليمة إلى حد كبير.
قياساً بأزمة عام 1929 هناك اليوم فرقان بين الأزمتين. الأول هو أن صانعي السياسة العالمية استطاعوا استيعاب نطاق الخطر على نحو أسرع، وهم مستعدون لاتخاذ إجراءات أكثر تطرفاً بكثير. في مقابل ذلك فإن النظام المالي أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه الحال في عام 1929.

في مايلي مزيداً من التفاصيل:

حالة الهلع الجديدة التي اندلعت أمس في الأسواق العالمية كانت الدليل النهائي على أنه فيما يتعلق بالأزمات المالية فإننا دخلنا الآن مرحلة الدوري الكبير. مقارنة الأزمة الحالية بفقاعة الدوت كوم أو حتى بالأزمة الآسيوية لعام 1997 ليست ملائمة. يجب أن نعقد المقارنة على مستوى انهيار البورصة عام 1987 أو عام 1929.
حين ننظر إلى الأمور الآن بعد وقوعها بزمن، نجد أن انهيار البورصة عام 1987 كان محصوراً أكثر مما هي عليه أزمة اليوم. في ذلك الحين بدا الهبوط القصير الوحشي في الأسهم العالمية على أنه مقدمة لهبوط في الاقتصاد الحقيقي لا يقل حدة عن الأزمة. ولكن العالم الحقيقي تابع المسير، وبقيت فئات الموجودات الأخرى سليمة إلى حد كبير.
قياساً بأزمة عام 1929 هناك اليوم فرقان بين الأزمتين. الأول هو أن صانعي السياسة العالمية استطاعوا استيعاب نطاق الخطر على نحو أسرع، وهم مستعدون لاتخاذ إجراءات أكثر تطرفاً بكثير. في مقابل ذلك فإن النظام المالي أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه الحال في عام 1929. وبفضل الاتصالات الحديثة تتسارع وتيرة الأحداث والتطورات على نحو هائل. وبالتالي فإن أي قرار أو إجراء خاص حول الأزمة لن يكون على بينة من أثره ويكون في العادة قد أصبح غير مناسب للأحوال بحلول الوقت الذي يأتي فيه.
كمثال على التعقيد، يبدو من الواضح الآن أن السلطات الأمريكية كانت مخطئة حين تركت بنك ليمان براذرز يغرق. وكان من شأن ذلك تحطم قطعة تدور بسرعة ضمن آلة في غاية الدقة، بحيث تطايرت القطع المعدنية في جميع الاتجاهات.
أحد الآثار الكبيرة غير المتوقعة لذلك هو الخسارة الفادحة للثقة بين المستثمرين في صناديق أسواق المال والمزيد من الجمود في أسواق المال أنفسها. والحقيقة التي تقول إن الناتج الذي من هذا القبيل لم يكن من الممكن أن يتنبأ به وزير المالية الأمريكي هانك بولسون، الذي يمكن القول إنه أفضل شخص في العالم مطلع على هذه الأمور، هي دليل آخر على أن النظام أصبح معقداً فوق الحد على نحو تصعب السيطرة عليه وإدارته.
وجاء أثر عجيب آخر على صورة إنقاذ وكالتي القروض السكنية الأمريكيتين "فاني ماي" و"فريدي ماك". عمل هذا على إحداث الفوضى في العالم الهائل والمريب للمشتقات الائتمانية، وهي فوضى زادها تعقيداً انهيار بنك ليمان.
إن وجود المشتقات الائتمانية والعالم البنكي الشبحي في الظل التي تمثلها كيانات تقع خارج الميزانيات العمومية للبنوك (مثل المؤسسات الاستثمارية الوسيطة)، يعني أن المستثمرين لا يزالون غارقين في الظلام حول مكان الإصابة بالأضرار في النظام البنكي. مرة أخرى فإن الحقيقة التي تقول إن هذا الأمر يظل صحيحاً بعد مرور نحو 15 شهراً على اندلاع الأزمة يوحي بأن تنظيف هذه الفوضى سيكون عملية بطيئة تماماً.
بعض التفاصيل حول سلوك الأسواق أمس تذكرنا كذلك بأن الأزمة تجاوزت النظام البنكي وامتدت إلى مجالات أخرى. يوم أمس انهارت أسهم شركات التعدين، حيث هبط سعر سهم شركة كزاخميس في كزاخستان، وهي شركة مدرجة على مؤشر فاينانشيال تايمز 100، هبط بمقدار 27 في المائة عند الإقفال.
هذا الأمر، إلى جانب الانهيارات الحادة أمس في الأسواق الناشئة، دليل آخر على أن المستثمرين يتوقعون الآن تباطؤاً لا يستهان به في الاقتصاد العالمي الحقيقي. وعلى خلاف أزمة عام 1929، فإن سبب الأزمة الحالية واضح ومعروف.
في حين أن السبب في أن انهيار بورصة "وول ستريت" في عام 1929 تبعته فترة عُرفت بالكساد العظيم لا يزال موضع أخذ ورد، فإن القصة هذه المرة هي الموضوع البسيط للديون الثقيلة على حساب القروض. بلدان العالم المتقدم أخذت على عاتقها ديوناً ثقيلة تفوق الحد، وهي تتفكك الآن بصورة وحشية.

"فاينانشيال تايمز" خاص بـ "الاقتصادية"

.. وسقطت ورقة التوت !








محمد بن فهد العمران - 08/10/1429هـ
(mfalomran@gmail.com)

مع انهيار الأسواق المالية العالمية نتيجة للأزمة الائتمانية الأسوأ منذ أكثر من ثمانين عاماً، سقطت ورقة التوت و انكشف ما كانت تخفيه المؤسسات المالية العالمية (إن كانت مصارف تجارية أو بنوكا استثمارية أو حتى شركات تأمين) عن مساهميها الذين بلا شك تكبدوا خسائر جسيمة نتيجة لهذه الأزمة، حيث تبين أن هذه المؤسسات المالية العملاقة لم تكن تملك أنظمة فعالة لإدارة المخاطر، بل كانت كانت تملك خططا واسترتيجيات لتحقيق الربح ولا شيء غير الربح.

إن ما حدث هو بلا شك سقطة كبيرة لمفهوم إدارة المخاطر، ذلك المفهوم الذي لا يزال كثير من التنفيذيين حول العالم ينظرون إليه على أنه "مركز تكلفة" لا يلقى من اهتمامهم الا القليل، وبالتالي فإن السياسات والإجراءات الخاصة بإدارة المخاطر فشلت أمام اختبار بسيط تمثل بفرضية انخفاض أسعار العقارات والسبب في ذلك أن جزءا كبيرا من هذه السياسات والإجراءات لم يكن مطبقاً على أرض الواقع على الإطلاق، بل كان حبرا على ورق لتحقيق أهداف روتينية!!

لن أتحدث عن أسباب هذه الأزمة الاقتصادية من المنظور العام، لكني سأتحدث عنها من المنظور التحليلي الضيق حيث تتركز المشكلة تحديداً في عدم وجود توازن بهيكلة تمويل الأصول لدى كبريات المؤسسات المالية العالمية نتيجة للإفراط في استخدام الالتزامات كمصدر رئيسي للتمويل حيث بلغ معدل الاستخدام نحو عشرة أضعاف حقوق المساهمين وفي بعض الحالات أكثر من عشرين ضعفاً وهي بالتأكيد معدلات خطيرة جداً لا أدري حقيقة لماذا لم يتخوف منها مسؤولو هذه المؤسسات أو حتى المسؤولون عن مؤسسات التقييم الائتماني؟

الجانب الآخر يتعلق بالمبالغة في استثمار الأصول بأدوات مالية جديدة نوعاً ما وخطيرة في الوقت نفسه (مثل الأوراق المالية المضمونة برهونات عقارية رديئة الجودة)، وبالتالي مع أي انخفاض في أسعار العقارات ينعكس ذلك على انخفاض في تقييم الأصول وبالتالي ظهور عجز متكرر في رأس المال العامل. هذا يعني أنه في هذه الرحلة تحديداً فإن انسيابية التدفقات النقدية الموجبة تعتبر أهم من مسألة تحقيق خسائر أو أرباح، وهي نقطة أساسية لا أدري حقيقة كيف تجاهلها مسؤولو هذه المؤسسات أو حتى المسؤولون عن مؤسسات التقييم الائتماني، الذين بدورهم يتحملون أيضاً جزءاً كبيراً من المشكلة؟

رهط تتبخر بمكره الأموال








د. عبد العزيز الغدير - 08/10/1429هـ
Abdalaziz3000@hotmail.com


في مدينة من مدن العالم جلس رهط من كبار رجال سوقها العقاري من الذين يملكون أراضي شاسعة، ومليارات من النقد كثيرة، وسيطرة كبيرة على مراكز صناعة القرار واتخاذه وعلى وسائل صناعة الرأي العام وتوجيهه، كما يمتلكون عددا كبيرا من مؤسسات التمويل العقاري والبنوك وشركات التقييم العقاري والمالي الأكثر شهرة وسمعة ومكانة.
جلس هؤلاء الرهط يفكرون في الكم الكبير من المنافسين الذين تزايدوا بشكل سريع نتيجة الانتعاش الاقتصادي في مدينتهم، كما يفكرون في هذه الكميات الكبيرة من الأموال التي في أيدي سكان المدينة، فضلا عن تلك التي في مؤسساتها المالية، كيف لهم أن يقضوا على المنافسين وينتزعوا تلك الأموال من جيوب الناس لتسكن في حساباتهم البنكية؟
كيف لا وهم يمتلكون كل الأدوات اللازمة لذلك، ويعرفون أن كل مستثمر أو مدخر من سكان المدينة يبحث عن قناة استثمارية تحقق له المكاسب الكبيرة والسريعة، وما عليهم سوى توفير تلك القناة الاستثمارية التي تستوعب أموالهم، وتحريك غريزة الطمع في نفوسهم بإتاحة الفرصة لثلة منهم لتحقيق مكاسب سريعة وكبيرة تحفزهم لضخ المزيد من أموالهم من ناحية، كما تحفز البقية لضخ كافة أموالهم في تلك القناة من ناحية أخرى، بل تحث أصحاب الأصول الرأسمالية لتسييلها وضخ أموالها في تلك القناة الاستثمارية الحلم.
فقال قائل منهم لدينا أراض كبيرة وشاسعة يمكننا أن نجعل منها وعاء استثماريا لكل هؤلاء لجذب الأموال المستهدفة للاستثمار فيها، ويمكننا أن نعد المخططات اللازمة والمحفزة ونعتمدها من قبل رجالنا في البلديات، كما يمكننا أن نحفز عددا من رجالنا في الجهات الحكومية الخدمية لتعلن عن عزمها تنفيذ مشاريع حيوية ومهمة في تلك الأراضي، ونقرن ذلك بالإعلان عن عزمنا تطوير منتجات عقارية متنوعة هنا وهناك، وتعزيز ذلك بتداولات وهمية مصطنعة ترفع أسعار الأراضي بشكل مفاجئ لجذب الأموال الاستثمارية التي نجعلها تحقق هي الأخرى مكاسب لتنقل أخبار مكاسبها لبقية المستثمرين وأصحاب المدخرات للاستثمار في هذه الأراضي لتحقيق المكاسب الكبيرة والسريعة.
فقال الآخر وما يضمن لنا خروجهم من قناتنا الاستثمارية تلك حال تحقيقهم المكاسب؟ فرد عليه قائلا لن يخرجوا بل سيبقون على اهتمام كبير ودائم بتلك القناة ويضخون أموالهم فيها مرة تلو الأخرى، فكلما كسبوا ورأوا الأسعار ترتفع عادوا ووضعوا أموالهم مرة أخرى طمعا في المزيد من المكاسب، ولكي يبقوا على اهتمام دائم سنوحي إلى شركاتنا وحلفائنا ومحللينا الموثوقين لإصدار التقارير والأخبار والتقييمات والتحليلات التي تؤكد على النمو المستمر لأسعار الأراضي فضلا عن عدالة أسعارها لارتفاع الطلب ووفرة السيولة وقدوم المستثمرين من الخارج إلى غير ذلك من الأخبار المحفزة التي تجعل المستثمرين وأصحاب المدخرات يطمئنون لشرائهم الأراضي بأسعار فلكية.
فقال الثالث وعندها نقرضهم المال بضمان عقاراتهم المقيمة بأسعار فلكية لكي يصبحوا تحت مقصلة المذبح المالي الذي يقطع رقابهم ولا يجعل لهم قائمة بعدها، فقال الرابع إذن فافعلوا على أن يكون لنا بضعة رجال يستثمرون مع الضحايا المستهدفة لكي يمثلوهم أمامنا وأمام رجالنا العاملين في الجهات التنظيمية والرقابية لكي تكتمل المسرحية وتكون جميع خيوطها في أيدينا.
وانطلق التنفيذ وأقدم المستثمرون وحققوا الأرباح السريعة والكبيرة وتقاطر الجميع وعم الفرح والسرور أرجاء المدينة، فالكل يربح يوميا، والكل زادت أمواله بارتفاع قيمة أصوله من الأراضي، وما أن اطمأن الجميع حتى بدأ الرهط الذي يطلع على كافة أسرار المنافسين من خلال مؤسساته بتصريف كل الأراضي بأسعار فلكية تفوق أسعار شرائها بأضعاف مضاعفة وجمعوا السيولة كلها في حساباتهم لينعم الجميع بأراض ساخنة جدا باهظة التكلفة ذات قيمة وهمية عالية تفوق رؤوس أموالهم المستثمرة والديون التي حصلوا عليها من البنوك بضمان تلك الأراضي.
ودون سابق إنذار انسحب الرهط، وحرك أدواته مرة أخرى التي تقول إن تلك الأراضي خارج النطاق العمراني، ومتنازع عليها، ومقيمة بصورة مبالغ فيها، بل إن بعضها لا يصلح لبناء مشاريع عقارية عليها، وتدافعت الضحايا لبيعها لبعضهم بعضا حتى استقرت الأراضي الجمرة في أيدي من لا يجد مشتريا ولو بأسعار بخسة تصل لأقل من 10 في المائة من تكاليف شرائها ليعود الرهط ومن خلال وكلائهم لشراء تلك الأراضي مرة أخرى بأسعار زهيدة ليستثمروها كما يشاؤون مرة أخرى، نعم عادت أراضيهم ومعها أموال المستثمرين وأصحاب المدخرات بل والأموال التي سيجنيها بعض الضحايا لعشر سنوات قادمة.
الرهط يضحكون والمستثمرون إلى إفلاس وأصحاب المدخرات تبخرت مدخراتهم، بل إن بعضهم مدين للبنوك بثلث راتبه لعشر سنوات قادمة، والاقتصاد في خطر فالمؤسسات المالية تعاني الديون المعدومة وعلى حكومة المدينة دعمها بمليارات من المال العام لكيلا تفلس ويتضرر النظام المالي وينهار الاقتصاد وتدخل المدينة في نفق مظلم، أما المسؤولون فيقولون لقد حذرناكم من الفقاعة ردا على مطالبة الإعلاميين والمحللين بمحاسبة المتسبب، أما المتضررون فيمثلهم عملاء الرهط (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم)، وما هي إلا سنوات حتى يمتص الناس الألم ويتناسوه ليأتي جيل جديد لم يمر بهذه التجربة المريرة، جيل جاهز لممارسة اللعبة عليه مرة أخرى حتى وإن حذره الضحايا من الرهط وألاعيبهم، وهكذا دواليك، ولنا أن نتخيل ماذا يفعل هذا الرهط إذا امتلك أدوات أكبر وأكثر على مستوى دولة أو لنقل على مستوى العالم أجمع

فاقم الأزمة المالية .. أين الحل؟








سعود بن هاشم جليدان - متخصص في الدراسات الاقتصادية 08/10/1429هـ
jleadans@gmail.com


تعود جذور تفاقم الأزمة المالية الحالية في أمريكا إلى سياسات تحرير الأنظمة البنكية وخفض معدلات الفائدة، والتي قام بها مجلس الاحتياطي الفيدرالي بقيادة رئيسه السابق ألن جرينسباد بعد تهاوي أسعار أسهم التقنية. وقد شجعت مستويات الفائدة الحقيقية المنخفضة والسلبية أحياناً على انخفاض تكاليف الإقراض وساهمت بشكل كبير في تكون فقاعة العقار في الولايات المتحدة في بداية الألفية. كما مكن تحرير الأنظمة المالية المصارف من إيجاد منتجات جديدة من خلال ما يسمى بالهندسة المالية. وأدت تلك الأدوات إلى رفع مستويات مخاطر الإقراض ورفعت من حجم المخاطر مقارنةً بمستويات الإيداع ورأس المال.
وشجع ارتفاع مستويات السيولة والجشع كثيرا من المؤسسات المالية على تقديمها قروضا عقارية لمنخفضي الملاءة المالية، والتي أغرتهم بقروض عقارية بدفعات أولى مخفضة (وأحياناً من دون مقدم أو دفعة أولى) ولكن بنسب فوائد مرتفعة على الأمد الطويل. ويوجه كثير من المراقبين تهما إلى بعض مؤسسات الإقراض المالية وسماسرة العقار بالتغرير بكثير من أصحاب القروض العقارية القديمة منخفضة الفائدة واستبدالها بقروض عقارية مرتفعة الفائدة (وذلك عن طريق تقديم بعض المبالغ النقدية مقابل حقوق ملكيتهم في مساكنهم وإعادة ترتيب قروض عقارية بفوائد مرتفعة على الأمد الطويل). ولتشجيع وتمكين هؤلاء المقترضين من الاقتراض خفضت المصارف أحجام الأقساط الشهرية في بداية التمويل وبشكل يتناسب مع دخول المقترضين. وتم ذلك عن طريق استخدام معدلات فائدة مرنة بحيث تكون هذه المعدلات منخفضة في بداية فترة سداد القرض ثم ترتفع مع معدلات الفائدة السائدة مع مرور الوقت. وكانت هذه الممارسات مبنية على فرضية استمرار ارتفاع أسعار العقارات وهي فرضية مقبولة في كثير من الأحيان ولدى معظم الناس وخصوصاً في أزمنة الازدهار الاقتصادي. ولو صحت هذه الفرضية لما شهدت الأسواق المالية الانتكاسات التي تشهدها في الوقت الحالي. ويبدو أن معظم الناس في أوقات الطفرات الاقتصادية والفقاعات (بما في ذلك كثير من الخبراء والمؤسسات المالية) يتغاضون أو على الأصح يتناسون الحقائق الاقتصادية التي لا تضمن استمرار ارتفاع أسعار الأصول.
ولم يقتصر الأمر فقط على منح قروض لذوي الملاءات المالية المنخفضة، بل عمدت العديد من المصارف إلى إنشاء مؤسسات شبه وهمية قامت من خلالها بتوريق هذه الديون وإصدار سندات مقابلها وبيعها لأطراف أخرى للتخلص من مخاطر الائتمان المرتبطة بها. ولرفع درجات تصنيف هذه السندات تم شراء تأمين لبعضها لرفع درجات تصنيف هذه السندات. ومن ثم بيعت هذه السندات إلى مستثمرين ذوي ملاءة جيدة وأحياناً بتوصية من المصارف المالكة للشركات الوهمية. وقام الكثير من هؤلاء المستثمرين ببيع هذه السندات أو قدموها كرهون للحصول على قروض أخرى. وهكذا استمرت هذه الدورة وانتشرت بين مصارف العالم. وضخم الإقراض غير المسؤول من فقاعة العقارات في الولايات المتحدة وارتفعت أسعار العقارات لعدة سنوات ما سمح باستمرار الممارسات غير المسؤولة لعدة سنوات وضخم من حجمها. وبعد وصول أسعار العقارات إلى قمتها بدأت تتراجع مع حلول عام 2007م، وارتفعت حالات العجز عن سداد القروض العقارية وتمادت المصارف في إجراءات الحجز على المنازل المرهونة. وأدى استمرار وارتفاع عدد المنازل المعروضة للبيع إلى الضغط على أسعار العقارات ما خفضها بحدة وأدى إلى تفاقم معضلة الرهون العقارية. وتخلى كثير من المقترضين عن منازلهم بسبب عجزهم عن سداد أقساط. وتدنت حقوق ملكية آخرين من ملاك المنازل إلى مستويات منخفضة ووصلت في كثير من الأحيان إلى مستويات سلبية (وهو ما يعني أن القيمة السوقية للمنزل أقل من قيمة القرض الحالية). وبينما أجبر العديد من سكان المنازل على ترك منازلهم للمصارف بسبب العجز عن السداد، أدرك آخرون أنه من الأجدى لهم التخلي عن ملكية هذه المنازل للمصارف. وقاد انخفاض قيمة العقار إلى تراجع قيمة سندات الدين عليها وإلى انخفاض قيم المشتقات المالية المرتبطة بهذه الرهون. وتملأ قيم تلك المشتقات محافظ المصارف وخصوصاً الاستثمارية منها. واستثمر الكثير من المصارف والشركات الاستثمارية في هذه المشتقات طمعاً في رفع مستويات العوائد وجذب المزيد من الموارد وكذلك رفع رواتب رؤسائها ومديريها. وكشفت الأزمة عن تلقي رؤساء الكثير من المؤسسات المالية رواتب فلكية وتقاضوا مبالغ ضخمة، فقد تلقى رئيس بنك ليمان بروذرز المنهار 450 مليون دولار كرواتب وحوافز ومكافآت خلال أربع سنوات، أي بمعدل مقداره 9.4 مليون دولار في الشهر أو نحو 35 مليون ريال في الشهر.
وقد تجاهلت الحكومة الأمريكية وجود أزمة في البداية وذلك في محاولة يائسة لنشر الاطمئنان في الأسواق والحد من الذعر في الأسواق المالية والمصرفية التي يتصف الفاعلون فيها عادة بالجبن خوفاً من الخسائر. ويعتمد النظام المالي والمصرفي بالذات على ثقة المودعين والمقرضين بقدرة المصارف على توفير أموالهم في أي وقت يحتاجون إليه. وهذه الثقة مطلب أساسي في ضمان استمرار أي مصرف وأكبر مخاطرة يواجهها أي مصرف هو فقدان المودعين ثقتهم بقدرة المصرف على الوفاء بالتزاماته.
وقد عززت ضخامة الاقتصاد الأمريكي وتطور أسواقه المالية والتطور التقني والعولمة وانفتاح الأسواق من انتشار آثار الأزمة المالية التي يشهدها حول العالم. وأدى تكتم المصارف التي توجد بها أصول ملوثة بالرهن العقاري الأمريكي والمشتقات المالية المرتبطة إلى انخفاض الثقة بين المصارف التجارية. وقاد انخفاض الثقة بين المصارف إلى رفع مخاطر إقراض البنوك بعضها لبعض. وبهذا ارتفعت معدلات تكاليف إقراض المصارف وانخفضت مستويات السيولة المتوافرة لدى المصارف. والأهم من ذلك هو أن انخفاض مستويات السيولة أدى إلى تراجع مستويات الإقراض للقطاعات الحقيقية (الإنتاجية والاستهلاكية) في الاقتصاد ما سيقود إلى تراجع مستويات الاستهلاك والاستثمار وهو ما ينتج عنه تراجع مستويات الناتج المحلي الحقيقي وارتفاع معدلات البطالة. وإذا ما ارتفعت مستويات التراجع الاقتصادي وطالت فإن الولايات المتحدة ستشهد ركوداً اقتصاديا وتجر معها باقي العالم إلى تراجع اقتصادي تتوقف درجته على مستويات ارتباط تلك الدول بالاقتصاد والتجارة والاستثمار العالمي وخصوصاً الأمريكي.
إن الأزمة المالية في الولايات المتحدة تبرز مرةً أخرى فشل الأسواق في حل المعضلات الاقتصادية، وخصوصاً عندما يسيطر على الأسواق الجشع والاحتيال على الأنظمة والمضاربة أو على الأصح المقامرة. ويطالب أصوليو السوق والمستفيدون من أدائها في أوقات الرخاء الاقتصادي بتحرير الأسواق وابتعاد الحكومة عنها ليتسنى لهم تحقيق أعلى المكاسب. وبعد حدوث الكوارث المالية والاقتصادية يلجأون إلى الحكومة من أجل إنقاذ الأسواق بعدما تسبب جشعهم وتجاوزاتهم في إحداث دمار لهذه الأسواق. إن وضع ضوابط قانونية مناسبة لضمان العدالة في التبادلات الاقتصادية ومعاقبة المتلاعبين بالأسواق ومنع التغرير بعامة الناس في أوقات الازدهار الاقتصادي أسس ضرورية ومطلوبة لزرع الثقة بالأسواق وتفادي الأزمات الاقتصادية. كما تتحمل البنوك المركزية مسؤولية كبرى تجاه المساهمة في تكون فقاعات الأصول. وأعتقد أن الوقت قد حان لتعمل البنوك المركزية على استشراف فقاعات الأصول والتصدي لها قبل حدوثها بدلاً من العمل على محو آثارها المدمرة بعد حصولها

مَن سيدفع فاتورة خطة الإنقاذ؟ (1 من 3)








د. حمزة بن محمد السالم - 08/10/1429هـ



hamzaalsalem@gmail.com


تباكى مشفقون عندما انهارت مؤسسة استثمارية أمريكية كبرى خوفا من تبعيات ذلك على الاقتصاد العالمي بينما شمت شامتون وتأملوا مستبشرين بانهيار أمريكا ونظّر منظرون في ثبات بطلان الرأسمالية، واستخدم أذكياء خبثهم فرقّّصوا صعودا وهبوطا سوق الأسهم (المحلي السعودي). والأزمة المالية هذه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فالأمر كله لا يعدوا أن يكون حلقة أخرى من حلقات استخدام أمريكا لهيمنة الدولار وكونه عملة الاحتياط (بدلا من الذهب) من أجل أن يعيش الأمريكي في رفاهية على حساب العالم أجمع بلا استثناء. فما هذه الأزمة المالية وما حقيقة خطة إنقاذها؟ هي ببساطة أن الأموال قد قُدمت بسهولة وبرخص لتمويل نمو الاقتصاد الأمريكي، ولمنع انكماش كان متوقعا وطبيعيا عام 2001م بعد أطول فترة ازدهار ونمو عاشتها أمريكا، وذلك بطريقة "سجل على الدفتر يا ولد". وعندما يمتلئ الدفتر بالديون يُحول ما به من الديون على العالم الخارجي عن طريق بيع بعض مستحقاته للمستثمرين الأجانب (وهذا هو الجديد في هذه الأزمة عن سابقاتها). وعندما لا يوجد من يشتري سجلات (سندات) هذا الدفتر( دفتر الديون) تجاريا نظرا لارتفاع المخاطرة تصبح البنوك الأمريكية عاجزة عن تقديم المزيد من التسهيلات للشعب الأمريكي وسينقطع التمويل السهل والرخيص فتزول بذلك الدعامات التي كانت تمنع الاقتصاد من أخذ دورته الطبيعية (أي الانكماش بعد الازدهار) فهنا يقوم بوش الابن باقتراح خطة إنقاذ مالية تُجير بها هذه الديون (قروض المنازل) على دول العالم بطريقة رسمية (السندات الحكومية)، ولا تكتفي الحكومة الأمريكية بذلك بل تنتهز الفرصة لضمان زيادة واستمرارية خفض الضرائب وتقديم التمويلات والتسهيلات للشعب الأمريكي لخمس سنوات أخرى تحت اسم خطة الإنقاذ المالي والتي سيدفع فاتورتها دول العالم الأخرى. وهذا ليس بجديد على أمريكا سواء من حيث تحميل الديون على الآخرين عن طريق السندات الأمريكية أو من حيث الأزمة نفسها، فقد مرت أمريكا حديثاً بأزمة مشابهة للأزمة الحالية تماما من حيث المسببات وذلك في عام 1987-1988م مع اختلافات بسيطة، غير أن الرئيس الأمريكي الحالي لا يريد لهذه الأزمة أن تنتج نفس نتائج الأزمة المشابهة لها في أواخر الثمانينيات، تماما كما أنه استطاع منع الدورة الاقتصادية من أخذ دورتها في الانكماش رافعا بذلك الدين الوطني الأمريكي من 5.5 تريليون دولار إلى 10 تريليونات دولار في عهد رئاسته فقط، أي أن بوش الابن وحده قد أنفق على مصالح بلاده من جيوب الدول الأخرى (وغالبها هي الصين واليابان ودول الخليج) ما يقارب 45 ضعف الميزانية السعودية الأخيرة، ولننتقل من الإيجاز المبهم إلى التفصيل الميسر.
إفلاس البنوك في أمريكا أمر طبيعي ويتكرر سنويا مثلها مثل كل دول العالم باستثناء دول الخليج والدنمارك وبعض الدول الصغيرة في أمريكا الجنوبية. فمنذ عام 1934م لم يمر عام من غير أن تعلن مجموعة من البنوك في أمريكا إفلاسها، اللهم باستثناء عامي2005م و2006م. وقد وصلت ذروة إفلاس البنوك في أمريكا خلال فترة أزمة بنوك الإيداع والإقراض التي تهاونت وتهورت في الإقراض من أجل تسهيل شراء البيوت للأمريكيين أي من عام 1986-1995م وذلك يشمل آخر عهد ريجان مرورا بفترة بوش الأب كلها وانتهاء بأوائل الفترة الرئاسية لكلينتون. فقد وصل مجموع إفلاس البنوك آنذاك إلى ما يقارب 2377 بنكا تحققت ذروتها في إفلاس 1004 بنوك خلال فترة رئاسة بوش الأب عامي 1988 و1989م أي بمعدل إفلاس بنكين كل ثلاثة أيام تقريبا. (ولا أريد أن يُستوحى من كلامي هنا تشابها بين بوش الابن وبوش الأب في السياسات الاقتصادية، فبوش الابن سار على خطى أبيه في السياسات العسكرية بينما اقتفى أثر سلفه ريجان في السياسات الاقتصادية ولكنه كان في الحالين عنيفا ومتهورا ويأتي تفصيل ذلك لاحقا).
الأزمة المالية الحالية سببها المباشر هو التوسع في الإقراض مقابل الرهن العقاري خلال فترة طفرة في أسعار العقارات الناتجة عن نمو اقتصادي قوي أي أنها السبب المباشر نفسه لأزمة أواخر الثمانينيات. ورجوعا إلى الثمانينيات لكي نفهم الوضع الذي نعيشه الآن، فقد تولى الرئيس ريجان الرئاسة بعد كارتر والاقتصاد الأمريكي يمر بأسوأ مراحله فتوسع في الإنفاق الحكومي وخفف الضرائب وأتى بجرينسبان، رئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) السابق، الذي خفض سعر الفائدة (أي رخص التمويل) فازدهرت البلاد واشتغلت المصانع وأصبح الأمريكي قادرا على العمل وعلى الإنفاق، كما أن انخفاض الفائدة الذي قام به جرينسبان أرخص الدولار مما زاد السيولة ورفع من تنافسية البضائع والخدمات الأمريكية داخليا وخارجيا. وفي أجواء الانتعاش والازدهار الاقتصادي تبدأ الأسعار بالارتفاع فوق السعر العادل وذلك لتوقعات الناس التفاؤلية المستقبلية وخاصة أسعار السلع غير القابلة للاستيراد والمحدودة كماً ومن أهمها العقارات. وبما أن الناس قد حصلوا على وظائف ذات رواتب عالية فتراهم يقبلون على شراء منزل للسكن وآخر لموسم الشاطئ وثالث لموسم التزلج فترتفع الأسعار وينشط البناء والعمران وتتسابق البنوك والمؤسسات المالية على تقديم القروض على حساب تخفيض أسعار الفائدة وتقليل الدفعة الأولى المقدمة والتهاون في الشروط اللازم تحققها في المتمول. ولكل بداية نهاية.
تبدأ نهاية صعود الدورة الاقتصادية عندما يشعر المجتمع الاقتصادي بأن قيمة ما يستثمره أكبر من الطاقة الإنتاجية لأفراد المجتمع أي سكان البلد، أو /و أكبر من الحاجة الاستهلاكية، أو/ و التوقعات بتطور الإنتاج غير عقلانية فهنا تبدأ دورة الانكماش وتكون بدايتها بانهيارات في أسواق الأسهم والسندات وتنتهي بانهيار سوق العقار فإذا تجاوزت دورة الانكماش ذلك إلى انهيار النظام البنكي فهنا البلاد تمر بكارثة اقتصادية كالتي مرت بها أمريكا في الثلاثينات.
وكما أن في فترة الازدهار الأسعار لا تكون عادلة ارتفاعا، فإن في فترة الانكماش الأسعار لا تكون عادلة انخفاضا. وهذا ما حدث تماما في أواخر الثمانينيات فبدأ الانكماش ووصل ذروته بالإثنين الأسود 1987م وبانهيار المئات من البنوك الأمريكية في أسابيع. ثم عادت الدورة الاقتصادية في الصعود وكان حافزها هو ثورة التقنية والإنترنت (دوت كم) والتي بلغت ذروتها في أواخر التسعينيات ثم بدأت الدورة الاقتصادية بالانكماش ابتداء بانهيار سوق الأسهم عام 2000م. وكان من المفترض أن تأخذ الدورة دورتها إلا أن الرئيس الجديد بوش الابن كان قد عقد النية على منع ذلك فتوسع في الإنفاق الحكومي وأزال قدرا عظيما من الضرائب عن الأمريكيين فحفز الإنتاج والاستهلاك ثم جاء الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) فدخل معه جرينسبان في عزمه هذا وخفض الفائدة وأرخص الدولار وتحركت البلاد كلها تحركا وطنيا لإبطال الآثار الاقتصادية التي كانت أحد أهداف هجوم 11 من أيلول (سبتمبر) كما فُتحت جبهات الحرب على الإرهاب في أفغانستان وفي العراق فتضاعف الإنفاق الحكومي مما فتح مجالات العمل والإنتاج في كثير من القطاعات فكانت الدورة الاقتصادية في انكماشها بسيطة جدا وقصيرة لم تتجاوز ستة أشهر من آذار (مارس) 2001م إلى تشرين الثاني (نوفمبر) 2001م وهي أقصر وأبسط دورة انكماشية مرت على تاريخ الولايات المتحدة. وفي حزيران (يونيو) 2005م توقفت أسعار العقارات عن ارتفاعها بعد أن وصلت حدا مبالغا فيه ثم بدأت بالنزول حتى أصبحت أسعارها أقل من نصف قيمة القروض المرهونة بها مما جعل البعض يتوقف عن السداد مخاطرا بمنزله عوضا عن دفع أقساط قيمة منزل لا يساوي نصف قيمة رهنه وهذا الذي أشعل فتيل الأزمة، فلا يوجد لدى البنك حيلة سوى بيع المنزل ويخسر البنك بذلك نصف ما له من الدين، وبما أن البنك يحتفظ احتياطا بنسبة تراوح بين5 و10 في المائة من أموال المودعين تحت الطلب و0 في المائة من الودائع في حساب الادخار حسب القوانين الأمريكية فالبنك المتهور الذي لم يترك احتياطيات كافية لا بد له من أن يعلن إفلاسه لعدم وجود موجودات تغطي أموال المودعين فضلا عن أن يستطيع البنك بالقيام بعمله كممول للمجتمع الاقتصادي. وأما بالنسبة لصاحب المنزل المتمول أو المقترض فما عليه إلا أن يعلن الإفلاس وبعد سبع سنوات يمسح إفلاسه ذلك من سجله الائتماني. وذلك أفضل من الاستمرار في دفع الأقساط لمدة 30 عاما لمنزل لا يساوي نصف قيمته ويستطيع أن يحصل على تمويل لمنزل آخر بعد سبع سنوات. وللعلم فاتباعا لقوله تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) فإنه يمنع ولا يجوز قانونيا في أمريكا السجن مع الإفلاس أو الحجر على الراتب كما هو مطبق عندنا هنا في بلادنا.
فما هي الخطوط العريضة لخطة الإنقاذ المالي وما أهدافها وكيف سينتفع بها البنك وصاحب المنزل والمجتمع، ولماذا لم تتدخل الحكومة في بنك ليمان وتدخلت بعد ذلك؟ ومن سيدفع تكاليف ذلك كله، وهل نفع بوش الابن أمريكا اقتصاديا أم أضر بها وكيف حولت الديون على الأجانب وهل صحيح أن للأزمة آثارا اقتصادية سيئة على العالم وعلى أوربا والسعودية وإن لم يكن فلم الصياح والنياح إذن؟ وما حقيقة ما يتردد عن التدخل في اليد الخفية للسوق؟ كل ذلك يأتي لاحقا إن شاء الله

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2008

شـرح علمى مبسط جداً ----> لأزمـة المـال الأمـريكية

السـلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شرح علمى مبسط جداً لأزمة المال الأمريكية

يعيش ’سعيد أبو الحزن’ مع عائلته في شقة مستأجرة وراتبه ينتهي دائما قبل نهاية الشهر.

حلم سعيد أن يمتلك بيتاً في ’أمرستان’، ويتخلص من الشقة التي يستأجرها بمبلغ 700 دولار شهرياً.

ذات يوم فوجئ سعيد بأن زميله في العمل، نبهان السَهيان، اشترى بيتاً بالتقسيط.

ما فاجأ سعيد هو أن راتبه الشهري هو راتب نبهان نفسه، وكلاهما لا يمكنهما بأي شكل من الأشكال شراء سيارة مستعملة بالتقسيط، فكيف ببيت؟

لم يستطع سعيد أن يكتم مفاجأته فصارح نبهان بالأمر، فأخبره نبهان أنه يمكنه هو أيضاً أن يشتري بيتا مثله، وأعطاه رقم تلفون المكتب العقاري الذي اشترى البيت عن طريقه.

لم يصدق سعيد كلام نبهان، لكن رغبته في تملك بيت حرمته النوم تلك الليلة، وكان أول ما قام به في اليوم التالي هو الاتصال بالمكتب العقاري للتأكد من كلام نبهان،

ففوجئ بالاهتمام الشديد، وبإصرار الموظفة ’سهام نصابين’ على أن يقوم هو وزوجته بزيارة المكتب بأسرع وقت ممكن.

وشرحت سهام لسعيد أنه لا يمكنه الحصول على أي قرض من أي بنك بسبب انخفاض راتبه من جهة، ولأنه لا يملك من متاع الدنيا شيئا ليرهنه من جهة أخرى.

ولكنها ستساعده على الحصول على قرض، ولكن بمعدلات فائدة عالية. ولأن سهام تحب مساعدة ’العمال والكادحين’ أمثال سعيد

فإنها ستساعده أكثر عن طريق تخفيض أسعار الفائدة في الفترة الأولى حتى ’يقف سعيد على رجليه’.

كل هذه التفاصيل لم تكن مهمة لسعيد. المهم ألا تتجاوز الدفعات 700 دولار شهريا.

باختصار، اشترى سعيد بيتاً في شارع ’البؤساء’ دفعاته الشهرية تساوي ما كان يدفعه إيجاراً للشقة.

كان سعيد يرقص فرحاً عندما يتحدث عن هذا الحدث العظيم في حياته: فكل دفعة شهرية تعني أنه يتملك جزءا من البيت، وهذه الدفعة هي التي كان يدفعها إيجارا في الماضي.

أما البنك، ’بنك التسليف الشعبي’، فقد وافق على إعطائه أسعار فائدة منخفضة، دعما منه ’لحصول كل مواطن على بيت’، وهي العبارة التي ذكرها رئيس البلد، نايم بن صاحي، في خطابه السنوي في مجلس رؤساء العشائر.

مع استمرار أسعار البيوت في الارتفاع، ازدادت فرحة سعيد، فسعر بيته الآن أعلى من الثمن الذي دفعه، ويمكنه الآن بيع البيت وتحقيق أرباح مجزية.

وتأكد سعيد من هذا عندما اتصل ابن عمه سحلول ليخبره بأنه نظرا لارتفاع قيمة بيته بمقدار عشرة آلاف دولار فقد استطاع الحصول على قرض قدره 30 ألف دولار من البنك مقابل رهن جزء من البيت.

وأخبره أنه سينفق المبلغ على الإجازة التي كان يحلم بها في جزر الواق واق، وسيجري بعض التصليحات في البيت. أما الباقي فإنه سيستخدمه كدفعة أولية لشراء سيارة جديدة.

القانون لا يحمي المغفلين

إلا أن صاحبنا سعيد أبو الحزن وزميله نبهان السهيان لم يقرآ العقد والكلام الصغير المطبوع في أسفل الصفحات.

فهناك فقرة تقول إن أسعار الفائدة متغيرة وليست ثابتة. هذه الأسعار تكون منخفضة في البداية ثم ترتفع مع الزمن.

وهناك فقرة تقول إن أسعار الفائدة سترتفع كلما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة. وهناك فقرة أخرى تقول إنه إذا تأخر عن دفع أي دفعة فإن أسعار الفائدة تتضاعف بنحو ثلاث مرات.

والأهم من ذلك فقرة أخرى تقول إن المدفوعات الشهرية خلال السنوات الثلاث الأولى تذهب كلها لسداد الفوائد. هذا يعني أن المدفوعات لا تذهب إلى ملكية جزء من البيت، إلا بعد مرور ثلاث سنوات.

بعد أشهر رفع البنك المركزي أسعار الفائدة فارتفعت الدفعات الشهرية ثم ارتفعت مرة أخرى بعد مرور عام كما نص العقد.

وعندما وصل المبلغ إلى 950 دولاراً تأخر سعيد في دفع الدفعة الشهرية، فارتفعت الدفعات مباشرة إلى 1200 دولار شهريا.

ولأنه لا يستطيع دفعها تراكمت عقوبات إضافية وفوائد على التأخير وأصبح سعيد بين خيارين، إما إطعام عائلته وإما دفع الدفعات الشهرية، فاختار الأول، وتوقف عن الدفع.

في العمل اكتشف سعيد أن زميله نبهان قد طرد من بيته وعاد ليعيش مع أمه مؤقتا، واكتشف أيضاً أن قصته هي قصة عديد من زملائه فقرر أن يبقى في البيت حتى تأتي الشرطة بأمر الإخلاء.

مئات الألوف من ’أمرستان’ عانوا المشكلة نفسها، التي أدت في النهاية إلى انهيار أسواق العقار.

أرباح البنك الذي قدم قرضا لسعيد يجب أن تقتصر على صافي الفوائد التي يحققها من هذا القرض، ولكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد.

قام البنك ببيع القرض على شكل سندات لمستثمرين، بعضهم من دول الخليج، وأخذ عمولة ورسوم خدمات منهم. هذا يعني أن البنك كسب كل ما يمكن أن يحصل عليه من عمولات وحول المخاطرة إلى المستثمرين.

المستثمرون الآن يملكون سندات مدعومة بعقارات، ويحصلون على عوائد مصدرها مدفوعات سعيد ونبهان الشهرية. هذا يعني أنه لو أفلس سعيد أو نبهان فإنه يمكن أخذ البيت وبيعه لدعم السندات.

ولكن هؤلاء المستثمرين رهنوا هذه السندات، على اعتبار أنها أصول، مقابل ديون جديدة للاستثمار في شراء مزيد من السندات.

نعم، استخدموا ديونا للحصول على مزيد من الديون! المشكلة أن البنوك تساهلت كثيرا في الأمر لدرجة أنه يمكن استدانة 30 ضعف كمية الرهن. باختصار، سعيد يعتقد أن البيت بيته، والبنك يرى أن البيت ملكه أيضاً.

المستثمرون يرون أن البيت نفسه ملكهم هم لأنهم يملكون السندات.

وبما أنهم رهنوا السندات، فإن البنك الذي قدم لهم القروض، بنك ’عمايرجبل الجن’، يعتقد أن هناك بيتا في مكان ما يغطي قيمة هذه السندات، إلا أن كمية الديون تبلغ نحو 30 ضعف قيمة البيت!

أما سحلول، ابن عم سعيد، فقد أنفق جزءا من القرض على إجازته وإصلاح بيته، ثم حصل على سيارة جديدة عن طريق وضع دفعة أولية قدرها ألفا دولار، وقام بنك ’فار سيتي’ بتمويل الباقي.

قام البنك بتحويل الدين إلى سندات وباعها إلى بنك استثماري اسمه ’لا لي ولا لغيري’، الذي احتفظ بجزء منها، وقام ببيع الباقي إلى صناديق تحوط وصناديق سيادية في أنحاء العالم كافة.

سحلول يعتقد أنه يمتلك السيارة، وبنك ’فار سيتي’ يعتقد أنه يملك السيارة، وبنك ’لالي ولا لغيري’ يعتقد أنه يمتلك السيارة، والمستثمرون يعتقدون أنهم يملكون سندات لها قيمة لأن هناك سيارة في مكان ما تدعمها. المشكلة أن كل هذا حصل بسبب ارتفاع قيمة بيت سحلول، وللقارئ أن يتصور ما يمكن أن يحصل عندما تنخفض قيمة البيت، ويطرد سحلول من عمله!

القصة لم تنته بعد!

بما أن قيمة السندات السوقية وعوائدها تعتمد على تقييم شركات التقييم هذه السندات بناء على قدرة المديون على الوفاء، وبما أنه ليس كل من اشترى البيوت له القدرة نفسها على الوفاء، فإنه ليست كل السندات سواسية.

فالسندات التي تم التأكد من أن قدرة الوفاء فيها ستكون فيها أكيدة ستكسب تقدير ’A’، وهناك سندات أخرى ستحصل على ’B’ وبعضها سيصنف على أنه لا قيمة له بسبب العجز عن الوفاء.

لتلافي هذه المشكلة قامت البنوك بتعزيز مراكز السندات عن طريق اختراع طرق جديدة للتأمين بحيث يقوم حامل السند بدفع رسوم تأمين شهرية كي تضمن له شركة التأمين سداد قيمة السند إذا أفلس البنك أو صاحب البيت،

الأمر الذي شجع المستثمرين في أنحاء العالم كافة على اقتناء مزيد من هذه السندات. وهكذا أصبح سعيد ونبهان وسحلول أبطال الاقتصاد العالمي الذي تغنى به الكاتب ’توماس فريدمان’.

في النهاية، توقف سعيد عن سداد الأقساط، وكذلك فعل نبهان وسحلول وغيرهم، ففقدت السندات قيمتها، وأفلست البنوك الاستثمارية وصناديق الاستثمار المختلفة.

أما الذين اشتروا تأمينا على سنداتهم فإنهم حصلوا على قيمتها كاملة، فنتج عن ذلك إفلاس شركة التأمين ’أي آي جي’.

عمليات الإفلاس أجبرت البنوك على تخفيف المخاطر عن طريق التخفيض من عمليات الإقراض، الأمر الذي أثر في كثير من الشركات الصناعية وغيرها التي تحتاج إلى سيولة لإتمام عملياتها اليومية،

وبدأت بوادر الكساد الكبير بالظهور، الأمر الذي أجبر حكومة أمرستان على زيادة السيولة عن طريق ضخ كميات هائلة لإنعاش الاقتصاد الذي بدأ يترنح تحت ضغط الديون للاستثمار في الديون!

أما ’توماس فريدمان’ فقد قرر أن يكسب مزيدا من الملايين حيث سينتهي من كتابة قصة سعيد أبو الحزن عما قريب.

انتهت القصه و لم تنتهى المأساه

نقلا عن جريدة الاقتصادية السعودية

بقلم د. أنس بن فيصل الحجي

الخميس، 18 سبتمبر 2008

دراسة: تضاؤل نفوذ الغرب أمام المد الصيني والروسي







قوات حفظ السلام الروسية أحد تجليات تنامي نفوذ موسكو (الفرنسية-أرشيف)

كشفت دراسة حديثة أن جهود الغرب لاستغلال الأمم المتحدة في الترويج لقيمه وصياغة الأجندة الدولية تتضاءل، وأن ميزان القوة يميل نحو الصين والهند وروسيا ودول ناشئة أخرى.

ورأت صحيفة ذي غارديان البريطانية -التي نشرت نتائج الدراسة في عددها اليوم- أن هذا التغير الملحوظ يحبط المساعي الأوروبية والأميركية لترسيخ مبادئ حقوق الإنسان والحريات والتعددية.

وأضافت نقلا عن الدراسة التي نشرت بالأمس أن السياسات الغربية في مناطق الأزمات في جورجيا أو زيمبابوي أو ميانمار أو البلقان تتعرض لسلسلة من الهزائم "بوتيرة متواصلة".

وطبقا للدراسة التي أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية عن النفوذ الأوروبي في الأمم المتحدة، فإن اضمحلال سلطان الغرب على النحو المتمثل في صيغ التصويت الطويلة الأجل المتبعة في وكالات الأمم المتحدة الرئيسية يتجلى في تنامي نفوذ الصين وروسيا والعالم الإسلامي.

وتنقل ذي غارديان عن التقرير القول "إن الاتحاد الأوروبي يعاني من أزمة بطيئة الحركة في الأمم المتحدة" في إشارة إلى أن الصينيين والروس وحلفاءهم يتفوقون حاليا حيلة ودهاء على الغرب في لعبة الدبلوماسية الدولية.

ويمضي التقرير قائلا "إن المشكلة تكمن في تلاشي القدرة على تحديد قواعد (اللعبة), فالأمم المتحدة يجري تشكيلها بأيدي الصين وروسيا وحلفائهما, أما الغرب ففي حالة فوضى. وقد أدت خلافات الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة على عدد من قضايا حقوق الإنسان في منابر الأمم المتحدة في عهد بوش إلى إضعاف كليهما".

وأظهرت نتائج الدراسة أن السياسات الأوروبية بشأن حقوق الإنسان كانت تحظى بتأييد 72% من أعضاء الأمم المتحدة قبل عشر سنوات لكنه تراجع إلى 48% فقط العام الماضي, فيما تدنى التأييد للولايات المتحدة من 77% إلى 30%.

وبالمقابل قفزت معدلات التأييد للمواقف الصينية والروسية إزاء قضايا حقوق الإنسان في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال العقد المنصرم من أقل من 50% إلى 74%.

الأربعاء، 10 سبتمبر 2008

مفارقات الجهاد الصومالي


الورطة (1)

د. أكرم حجازي

إسلام أن لاين

904ima

بسرعة البرق تهاوت المحاكم الإسلامية أمام التدخل الأثيوبي ، بكل مكوناتها السياسية والعسكرية والتنظيمية، وبسرعة البرق تمايزت الصفوف. وبطبيعة الحال اشتعلت الحرب ضد التدخل العسكري والحكومة الموالية للاحتلال. لكن صبر الأثيوبيين يكاد ينفذ بالكامل، وها هو التدخل العسكري يشارف على نهايته بعد أن أعلن الرئيس ميليس زيناوي في لقاء له مع صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية (27/8/2008) أنه سيسحب قواته من الصومال حتى قبل أن تتشكل حكومة الوحدة الوطنية. وبعد أن تحدث بمرارة عن فشل المجتمع الدولي بإرسال قوات دولية تحل محل قواته مشيرا إلى أن ثمانية آلاف من القوات الأفريقية لم يصل منها إلى الصومال أكثر من 2600 جندي ناهيك عن وعود باستبدالها بقوات دولية، وبعد أن اعترف بأن بلاده استخدمت مطية قبل أن تترك لمصيرها تصارع وحدها. وبهذه التصريحات يكون زيناوي قد نسخ تصريحات سابقة له أمام برلمان بلاده قال فيها أن القوات الأثيوبية باقية في الصومال حتى القضاء على المجاهدين.

لا شك أن مفارقات الحرب الصومالية مثيرة جدا، إلا أن تصريحات الرئيس الأثيوبي أشد إثارة خاصة فيما يترتب عليها من تداعيات سواء داخل الصومال أو في المحيط الإقليمي للمنطقة. ولأنها تصريحات رئاسية غير مسبوقة فهي ذات قيمة كونها تؤشر إما على نهاية مريرة للتدخل العسكري وبالتالي لا بد من الانسحاب آجلا أو عاجلا، وإما أنها، على الأقل، تعبر عن تذمر شديد لم تعد أثيوبيا تحتمله وهي الخبيرة بألاعيب الاستعمار. وفي كلتا الحالتين لا بد من التوقف عند أبرز مفارقات الحرب الصومالية وقراءة التصريحات في ضوء الواقع والظروف التي أنتجتها.

الغزو الأثيوبي والقهر الأمريكي

أولى المفارقات تمثلت في الغزو الأثيوبي. فقد ضغطت الولايات المتحدة على الرئيس الأثيوبي ميليس زيناوي وأجبرته على خوض حرب بالوكالة ضد ما أسمته بالقوى الإرهابية. أما زيناوي فكان يعلم علم اليقين أنه ذاهب إلى ورطة شاء أم أبى. فالبلاد والمنطقة لها ثارات عميقة مع أثيوبيا، وخوض حرب ضد الإسلاميين عامة والقوى السلفية الجهادية خاصة هي حرب خاسرة بكل المقاييس، فهل من مبرر منطقي يدفع أثيوبيا لخوض حرب سبق للأمريكيين أنفسهم أن هربوا من جحيمها ومعهم القوات الإيطالية وغيرها؟ ومع أن الإجابة بالنفي إلا أنه ما من قوة كانت قادرة على الوقوف بوجه الطغيان الأمريكي الذي سبق له وجرب حظه في نفس البلاد وفرّ منها مذعورا.

أما العجيب في المفارقة فتكمن فيما تخلفه السياسة الأمريكية من غيظ يصل إلى حد القهر والإذلال العلني حتى لأصدقائها قبل خصومها. فهي تقدم، مباشرة أو عبر وكلائها، دعما مكشوفا للقوى الوطنية والإسلامية، المقبولة أمريكيا وإقليميا وعربيا كي تستطيع الوقوف بوجه القوى السلفية الجهادية. لكن حتى تحظى مثل هذه القوى بمصداقية بين العامة فلا بأس من أن تعلن حربها ضد القوات الأثيوبية طالما أن خاتمتها ستكون حكومة وحدة وطنية وليس حكومة إسلامية. أما الأثيوبيين الذين أرغموا على أن يلعبوا دور المغفلين فعليهم أن يصبروا ويتحملوا ويتذوقوا طعم المنشار الأمريكي ذهابا وإيابا، فهو من جهة يطالب أثيوبيا بتحمل مسؤولياتها في المنطقة، ويحرضها على غزو الصومال وإنهاء ظاهرة المحاكم وقتال الإسلاميين، ومن جهة أخرى يحرض هؤلاء على قتال الأثيوبيين لسحب البساط من تحت أقدام السلفيين الجهاديين. لا شك أنها معادلة قهر تفرضها الولايات المتحدة على أصدقائها وخصومها في وقت واحد وبالتساوي.

المحاكم على طرفي نقيض

ثاني المفارقات تقع في المحاكم الإسلامية. فالجناح السياسي لها بقيادة شيخ شريف أحمد اتجه جنوبا بحثا عن حل سياسي يرضي جميع الأطراف، فكانت أولى محطاته، خلال الهزيمة وبعدها، كينيا وعبرها الاجتماع مع أركان السفارة الأمريكية فيها. بينما اتجه الجناح العسكري، في نفس الوقت، شمالا لخوض معارك طاحنة وصلت إلى المقر الرئاسي والمطار في قلب العاصمة الصومالية.

وفعليا فقد أثمرت اتصالات شيخ شريف أحمد عن سلسلة من المراهنات والتحالفات المحلية والعربية والدولية توجت بالإعلان عن تشكيل ما عرف بتحالف أسمرا. ولأن التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال خليط هجين من المصالح والولاءات والأيديولوجيات فقد ظهر أقرب ما يكون إلى التفكك من تحقيق أي إنجاز سياسي يذكر. بل أنه انقسم على ذاته بين توجهين على الأقل:

· أحدهما عرف بجناح أسمرا بقيادة الشيخ حسن طاهر أويس، وهذا يؤمن بالمقاومة من أجل تحرير الصومال من الاحتلال الأثيوبي. ويحتج بأنه ما من بلد: عانت من الاستعمار تحررت بالكلام.

· والثاني هو جناح جيبوتي بقيادة شيخ شريف أحمد الذي بات يكتفي بالمفاوضات السلمية لحل الأزمة الصومالية. وبالتالي فهو يعبر عن وجهة النظر الأمريكية والغربية التي لم تعد ترى في الكفاح المسلح وسيلة شرعية لفض النزاعات الدولية أو الإقليمية.

أما الانقسام فقد وقع على خلفية توقيع اتفاقية جيبوتي (9/6/2008) بين الحكومة الصومالية المؤقتة وغالبية من التحالف بقيادة شيخ شريف أحمد تصل إلى 106 أعضاء من أصل 191 عضوا يشكلون إجمالي اللجنة المركزية للتحالف. وتقضي الاتفاقية التي أبرمت برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا باعتماد: (1) التفاوض كوسيلة لإخراج القوات الأثيوبية من البلاد، و (2) وقف المواجهات المسلحة بين التحالف والحكومة بعد مرور ثلاثين يوما على توقيعها، على أن (3) تسحب أثيوبيا قواتها بعد أربعة أشهر.

ولعل العجيب في هذه المفارقة أن شيخ شريف أحمد يتصرف في الوضع الصومالي، على حد تعبير بعض معارضيه في التحالف، كـ ديكتاتور سواء في اتصالاته وتحالفاته أو في اجتماعاته المتكررة مع الأمريكيين في كينيا وجيبوتي وغيرهما أو في التفاوض بدون مشاورة قادة التحالف حتى أنه تجرأ على توقيع اتفاقات بعيدا عنهم. هذا الوضع من الصراع المحتدم بين القوى السياسية لدرجة الانقسام يطرح سؤالا حاسما على التحالف الذي راهنت عليه دولا عربية ورأت فيه مخرجا للحالة الصومالية في ظل تنامي القوى السلفية الجهادية. أما السؤال فهو: إنْ لم تكن نشاطات شيخ شريف أحمد وتحالفاته تعبر عن توجهات سياسية للتحالف؛ فهل هي انعكاس لأجندات سياسية دولية خاصة بعد سقوط الرهان على المواقف العربية والإسلامية؟ وهل هذه الأجندات والقوى هي من يقف خلف ديكتاتورية شيخ شريف؟ ثم كيف سيتصرف جناح أسمرا إزاء اتفاقية جيبوتي واندفاعات شيخ شريف الذي يحظى بدعم دولي بخلاف الشيخ حسن طاهر أويس؟

لا ريب أن الشيخ أويس يحظى بدعم أسمرا المتشددة في مواجهة عدوتها التاريخية أثيوبيا، كما يحظى بثقل ميداني في المواجهات، رغم ضعف جناحه السياسي مقابل جناح جيبوتي، وهذه عناصر كافية للتعبير عن سخطه من سياسات شيخ شريف التي لم تعد تلقي بالا لقوى المقاومة. لكن حتى لو جرى ترقية ورقة المقاومة ميدانيا فإن أكثر ما يمكن لها أن تحققه هو إصابة اتفاقية جيبوتي بأضرار. والحقيقة أن المشكلة ليست في الاتفاقية بحد ذاتها بل في طبيعة وخلفية القوى التي قبلت بالأطروحات الأثيوبية والدولية لعلمها أن المقاومة التي تقودها هي أضعف من أن تحقق أي إنجاز سياسي، ولأن بعض هذه القوى تميل في علاقاتها السياسية إلى التفاهم مع الأثيوبيين والتعايش معهم وفق شروطهم بل وحتى الاندماج مع أثيوبيا. وهذه ورقة قوية تلعب أثيوبيا بها منذ بداية الأزمة الصومالية سنة 1991، وهي التي دفعت غالبية التحالف إلى القبول بالتفاوض بديلا عن المقاومة. ولا شك أن ثائرة الشيخ أويس قامت لعلمه أن الهدف النهائي من الاتفاقية ليس فقط مواجهة تيارات السلفية الجهادية بل وكل تيارات المقاومة سواء الإسلامية منها أو الوطنية. وبطبيعة الحال فقد أدرك الشيخ أويس أنه، بموجب الاتفاقية، تلقى العصا والجزرة في آن واحد من القوى الدولية بالذات، فإما أن يقبل بالاتفاقية وإما أنه سيخسر كل شيء بما فيها حياته.

وفي هذا المستوى فقط من الوضع الصومالي فليس معروفا من هو المنتصر ولا من هو المنهزم. وبقليل من الصراحة لن يكون بمقدورنا إلا الحديث باختصار عن كون الجميع في ورطة سواء كانوا أثيوبيين أو صوماليين أو قوى دولية أو إقليمية.

أشباح كيسمايو (2)

418128

ثالث المفارقات في الوضع الصومالي تقع في صلب التيار السلفي الجهادي. ففي الوقت الذي طغت فيه الصراعات السياسية بين الفرقاء على خلفية مقاومة الاحتلال الأثيوبي بدت حركة الشباب المجاهدين، منذ هزيمة المحاكم، منشغلة أكثر من غيرها بمقارعة حكومة عبد الله عيسى وقوات الغزو غير آبهة بما يجري على المستوى السياسي. وحتى اللحظة لا يبدو أنه ثمة قوة ثابتة ومتماسكة وواضحة الأهداف والنوايا في الصومال أكثر من حركة الشباب المجاهدين. ولعل في بياناتها ما يكشف عن بعض أسرار هذا التماسك. فهي حركة تمتلك جيشين أحدهما يسمى بـ: جيش العسرة، ومهمته عسكرية صرفة تستهدف القوات الأثيوبية والحكومية والميليشيات المسلحة الموالية لهما، والآخر يسمى بـ: جيش الحسبة ومهمته اجتماعية صرفة تستهدف فض النزاعات القبلية المستعصية وحماية المجتمع وخاصة التجار والأهالي ومطاردة اللصوص والمجرمين والقراصنة وقطاع الطرق وإقناع التشكيلات الاجتماعية بتطبيق الشريعة.

والأكيد أن المتابعين لشؤون الساحات الجهادية في العالم قد لاحظوا نمطا جديدا من التدخل الجهادي في المجتمع عبر الحالة الصومالية لم تكن مألوفة بهذا الاتساع والنشاط، وحتى الجماعات السلفية الضاربة لم يسبق أن شهدنا تشكيلات لها ذات طابع اجتماعي. وهذا لا يعني أننا ننكر مثل هذا الأمر عليها لكنه في حالة حركة الشباب المجاهدين أكثر وضوحا وفاعلية. ويبدو أن الحركة استفادت فعلا من تجربة العراق، لكن على الأرجح أن تكوين جيش الحسبة فرضته ظروف الحرب الصومالية التي خلفت الكثير من قطاع الطرق والعصابات في ظل غياب الدولة، وبالتالي فهو ظاهرة تستحق المتابعة.

أما أبرز الأحداث المستجدة فهي سقوط العديد من الأقاليم والمدن الجنوبية بيد حركة الشباب المجاهدين. ولا شك أن سقوط ولاية جوبا وعاصمتها كيسمايو ثالث المدن الساحلية (528كلم جنوب العاصمة مقاديشو)، وطرد الميليشيات الحكومية منها بزعامة بري هيرالي كان الحدث الأهم على الإطلاق. ومن الطريف أن أصواتا في التحالف أعلنت أن القتال في كيسمايو لا يخدم الشعب الصومالي ثم عادت وتحدثت في وقت لاحق عن مشاركة قوى أخرى غير الشباب المجاهدين ساهمت في السيطرة على المدينة!

المهم في الحدث أن سقوط المدينة كان تتويجا للحملة على ولاية جوبا السفلى أسفرت، بحسب بيان للحركة صدر في 12/8/2008، عن فض سلسلة نزاعات قبلية دامية عصفت بمعظم مدن الولاية حتى تمّ إبرام صلح شامل بين قبائل متناحرة طوال عقود من الزمان، وتبع المصالحة بحسب نفس البيان لقاء جمع رجال الحسبة مع رؤساء العشائر وأعيانهم حيث عرضوا عليهم الالتزام بشريعة الرحمن التي بالتحاكم إليها تصان الدماء الأعراض وينبذ الاقتتال الجاهلي، فقوبل عرض الإخوة بترحيب ورضاء ... فطأطأ رؤساء العشائر رؤوسهم لمتطلبات الشريعة المحمدية آخذين بالعهد للعمل بمقتضياتها وفعل مأموراتها وترك منهيَّاتها. أما في كيسمايو فقد: كبّر الناس لقدوم المجاهدين إلى أرضهم مطالبين بمساعدة إخوانهم في تطبيق الشريعة ومحاربة قطّاع الطرق واللصوص.

لكن ميليشيات بري هيرالي عاودت الكرة لاستعادة المدينة من الحركة إلا أنها فشلت، بل أن هيرالي نفسه نجا من كمين لاغتياله قبل أن يغادر المدينة نهائيا رفقة ما تبقى من قواته. والعجيب في أحداث كسمايو أنها تعرضت لتعتيم إعلامي مقصود استفاق مرغما على حقيقة سقوط المدينة والإقليم برمته. والأكيد أن المتابع لتغطية الإعلام العربي للوضع في الصومال لاحظ أن حالته تشبه حالة النعامة وهي تضع رأسها في التراب اتقاء لخطر يتهددها. لكن سواء تم تجاهل الحركة إعلاميا حتى وهي تسيطر على كسمايو، أو أطلقت بعض الفضائيات على مقاتليها تسميات من نوع: المسلحين الإسلاميين أو أنكرت عليهم حتى التسمية التي سموا أنفسهم بها فالواقع أقوى من أية مراوغات لطمس حقائق ساطعة لا ينفع معها التعمية العوراء خاصة وأن لحركة الشباب المجاهدين وغيرهم من المقاومين سيطرة واسعة ومحكمة على جنوب الصومال، بل أن تقارير المنظمات الدولية تؤكد أن خلايا المجاهدين تكاد تغطي البلاد بكاملها حتى أن الحكومة المؤقتة لم تعد تتوقف عن التصريح بأن الأمن يفلت من يدها يوما بعد يوم بصورة خطيرة. فأيهما فرض نفسه على الآخر؟ أشباح كيسمايو؟ أم الفضائيات الهائمة على وجهها؟

قاعدة في الصومال؟

رابعة المفارقات في توقع ظهور قاعدة الجهاد في بلاد الصومال قريبا.. والصحيح أن القاعدة نشطت في أفريقيا منذ البدايات الأولى لعقد التسعينات من القرن العشرين حيث ساهمت بفعالية في طرد القوات الأمريكية من الصومال رفقة القوى الإسلامية هناك، وكذلك عبر سلسلة من الاستطلاعات قادها المسؤول العسكري الأول للقاعدة أبو عبيدة البنشيري الذي غرق في بحيرة فيكتوريا بأوغندا منتصف العام 1996. والعجيب في خبر غرق البنشيري أنه يجري تداوله كما لو أنه حادثة طارئة في نشاط القاعدة، في حين أن استطلاعات ميدانية واسعة النطاق شملت المناطق الساخنة في القارة الأفريقية وعلى هذا المستوى الرفيع من القيادة يؤشر، بامتياز، على أن القاعدة كانت مشغولة في استيطان المنطقة منذ وقت مبكر.

ومع ذلك فلم تكن حركة الشباب، كخزين بشري للفكر السلفي الجهادي، لتنأى بنفسها عن القوى الإسلامية الصومالية وتستقل في صيغة فرع للقاعدة، بل ظلت قريبة من مختلف القوى ومتحالفة معها حتى سقوط المحاكم. لكن انفضاض القوى الإسلامية وتغير التحالفات وشيوع الولاءات المتعددة وظهور المصالح وكثرة التدخلات في الشأن الصومالي دفع هذا الخزين البشري إلى الائتلاف في صيغة جماعة سلفية مميزة عن غيرها عبر ما يسمى الآن بحركة الشباب المجاهدين. وحتى وقت قريب لم تكن الحركة بوارد الإعلان الصريح عن منهجها إلا حين أعلن أمير الحركة الشيخ مختار أبي الزبير منهج الجماعة في كلمة صوتية له بعنوان: جهادنا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله بثها القسم الإعلامي للحركة بتاريخ 2/6/2008. ولعل ما يلفت الانتباه في الكلمة أنها تمثل، للمرة الأولى، إعلانا عن قطيعة تامة على مستوى المنهج والعقيدة مع غيرها من القوى السياسية والإسلامية ذات الاتجاهات الوطنية أو القومية. لكن هل كانت الكلمة مقدمة تمهد للإعلان عن قاعدة الجهاد في الصومال؟ هذا ما سنحاول التثبت منه تاليا.

أولا: المصادر الغربية

بحسب ما أوردته صحيفة لوس أنجلوس تايمز 25/8/2008 فالحديث تجاوز كل التخمينات بما أنه يجري الآن عن مفاوضات بين الحركة والقاعدة، وهذا يعني بأن الأجواء باتت مهيأة للقاعدة في الصومال، وهي العبارة التي عنوت بها الصحيفة مقالها. ففي لقاء غير مألوف لدى قادة الأجنحة المسلحة للسلفية الجهادية كشف أمير الحركة للصحيفة عن تفاوض مع القاعدة: حول كيفية الاندماج مبينا بصراحة: سوف نأخذ الأوامر من الشيخ أسامة بن لادن لأننا طلابه. أما عن مبررات الحركة في الانضواء تحت لواء القاعدة فيجيب الشيخ مختار للصحيفة بأن: (1) القاعدة هي أم الجهاد في الصومال و (2) الكثير من قادتنا تلقوا تدريبهم في معسكرات القاعدة، و (3) نحن نحصل علي تكتيكاتنا من القاعدة، ويضيف بأن: (4) الاندماج مع القاعدة أمر عقلاني في ظل الهجمات الأمريكية بما فيها هجمة أول مايو التي قتل فيها قائد الشباب السابق.

ولو تفحصنا الإجابات لما وجدنا فيها جديدا خاصة وأنها أمور باتت معروفة منذ زمن. إذ حين نتحدث عن جماعة سلفية جهادية علينا ألا نفاجأ بأن قياداتها قد تخرجوا من أفغانستان، وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون القاعدة بالنسبة لهم هي أم الجهاد سواء في أفغانستان أو في غيرها، ومن الطبيعي أيضا، في العموم وليس في الخصوص، أن تتشابه وسائل القتال. وعليه فالتفاوض لن يجري بالقطع على بديهيات. لذا، فإن صح ما نقلته الصحيفة، فمن المرجح أن الحركة تبحث عن مرجعية شرعية وجهادية تعترف بجهادها وتؤصل له على نطاق الأمة الإسلامية وليس على نطاق محلي يمكن في أية لحظة أن يكون لقمة سائغة للقوى الدولية والإقليمية التي تنشط في إبعاد الجهاد في الصومال عن ساحة الجهاد العالمي.

لكن حتى الآن فإن تصريحات أمير الحركة وإصداراتها تتخذ منحى تصعيديا يمكن أن يُفهم منها وفاء للقاعدة وليس مبايعة. لهذا، وبحسب الصحيفة، فالمسؤولون الأمريكيون ليسوا متأكدين من جدية مساعي الحركة فيما إذا كانت تعبر عن حقيقة قادمة أو أنها مجرد حرب كلامية معادية للغرب. وعليه فمن الأجدى التريث قبل اعتماد التصريحات:

1) لأنها غير رسمية، وبالتالي يصعب الركون إلى صحتها بحيث يمكن البناء عليها خاصة في قضايا حساسة على هذا المستوى، وهذا يعني انتظار ما يؤكدها أو ينفيها من قبل الحركة نفسها؛

2) ولأن التصريح بهذا الأمر عبر وسائل الإعلام مسألة غير مسبوقة بحيث يمكن اعتبارها سابقة؛

3) ولأن التصريحات المنسوبة للشيخ مختار يمكن أن تكون تعبيرا عن سياسة أمريكية جديدة يجري بموجبها استدراج الحركة إلى مربع القاعدة بحيث يسهل على القوى الخصيمة لها تشويهها وإسقاطها.

ثانيا: مصادر القاعدة والحركة

الثابت أننا شهدنا ميلاد فروع متعددة لتنظيم القاعدة المركزي في أفغانستان كما حصل في العراق أو مصر أو في الجزائر حين بايعت الجماعة السلفية للدعوة والقتال الشيخ أسامة بن لادن وظهرت تبعا لذلك قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي، ومع ذلك لم نسمع حتى الآن عن فرع رسمي للقاعدة في الصومال ولا عن نوايا رسمية بهذا الاتجاه. بل إن أقصى ما يمكننا التكهن به لا يتجاوز توقع وجود تنسيق بدرجة ما أو اتصالات على مستوى معين، أما الحديث عن روابط تنظيمية فهو ما لم تثبت صحته بعد ما لم يصدر إقرار صريح بذلك من أصحاب الشأن، مع أن توقع إعلان قريب عن قاعدة الجهاد في الصومال أو في القرن الأفريقي يظل أمرا واردا في أي حين. ولو تتبعنا المؤشرات المتوفرة سنلاحظ أن الطرفين يبديان قدرا بالغا من الحذر تجاه هذه المسألة:

· فالخطابات الصادرة عن حركة الشباب كلها تثني في بداياتها على الملا محمد عمر وقادة القاعدة وتشيد بجهادهم سواء في أفغانستان أو في العراق، وتتحدث عن ذات المنهج والتوجه. وبطبيعة الحال لا يعني هذا الثناء وجود روابط تنظيمية مثلما أنه لا يؤشر على نية في الالتحاق بالقاعدة.

· وما يؤكد صحة النقطة أعلاه أن الخطاب السابق للشيخ أبي يحيى الليبي: لا سلام بلا إسلام تجنب تسمية الحركة باسمها رغم أنه موضوعيا كان حاسما في تحريض إجمالي القوى الجهادية، وليس حركة الشباب فقط، على رفض الدخول في مساومات حول هوية الدولة القادمة وعلاقاتها مع قوى الشرق والغرب. إذ ورد فيه نصا: لا تقبلوا بأقل من دولة إسلامية مستقلة لا تعترف بشرعية دولية، ولا تقر بقوانين وضعية، ولا تيمم وجهها شرقاً ولا غرباً.

فلو كانت التصريحات الواردة في الصحيفة الأمريكية دقيقة لتلقينا إشارة صريحة بصيغة بشرى كما كان يفعل د. أيمن الظواهري في بعض خطاباته وهو ما تجنبه خطاب الليبي. بل أن خطاب القائد العسكري في الحركة صالح النبهاني (انفروا 31/8/2008) لم يشر إلى لقاء الصحيفة مع الشيخ مختار ولم يعط أية إشارة على ما نسب إليه من تصريحات.

أخيرا

يمكن أن يكون تصريح الرئيس زيناوي عن سحب قواته من الصومال تطمينات أريد منها إغراء جناح أسمرا بقبول اتفاقية جيبوتي، وبالتالي ما من جدوى لمعارضته إذا كانت النتيجة ستؤدي إلى تحقيق الانسحاب الفعلي.

أما فيما يتعلق بالتيار السلفي الجهادي فمن العبث السخرية من فعالياته أو تجاهلها خاصة وأن حروبه ذات مواصفات عقدية وليس مصالح سياسية، وهذا يعني أنها نافذة بنفاذ الحكم الشرعي فيها وليست طارئة. وعليه فإن تنامي المد السلفي الجهادي في القرن الأفريقي، أيا تكن تسميته الراهنة أو المحتملة، فهو مرشح للتضخم لأكثر من سبب:

· لأن الولايات المتحدة التي جربت حظها في الصومال عاجزة عن إنزال قواتها أو التورط بحروب جديدة مع الأدوات الضاربة للسلفية الجهادية كحركة الشباب المجاهدين. وإلا ما كانت لتدفع بأثيوبيا إلى خوض حرب بالوكالة نيابة عنها تشبه بالضبط حرب الوكالة التي خاضتها إسرائيل في لبنان ضد حزب الله.

· وبقطع النظر عن أية تأويلات للتصريحات الأثيوبية فقد أثبت التدخل العسكري حتى الآن فشلا في احتواء الأزمة الصومالية. وإذا صدقت تصريحات زيناوي وأقدم على سحب قواته من الصومال فهذا يعني أن البلاد واقعة في فراغ لا محالة، وهي أجواء مثالية للقاعدة.

· أما في حالة بقاء القوات الأثيوبية في الصومال فمن المؤكد أن التحالفات السياسية القائمة والصراعات التي تميزها ستخسر الكثير من رصيدها الشعبي الذي سيصب حكما في صالح التيار السلفي الجهادي بما أنه سيبدو، بنظر الناس، أكثر مصداقية وأجدى في المراهنة.

· لا ريب أن تضخم التيار السلفي الجهادي وتعاظم قوته ونفوذه في الصومال سيدفعه إلى التمدد نحو الأقاليم المجاورة غربا، فهو يتحدث منذ فترة ليست بالقصيرة عن أقاليم محتلة من قبل أثيوبيا كإقليم أوغادين، وعن مسلمين مضطهدين في أثيوبيا وآخرين في أوغندا وتنزانيا وكينيا وغيرها. وهذا نذير شؤم للقوى الإقليمية والدولية، بل أن العبء سيبدو أكبر كلما اقترب التيار السلفي الجهادي في المنطقة من الاندماج بتنظيم القاعدة العالمي حيث سيرتبط بأجندتها وليس بأجندة محلية فقط. وحينها سيكون للغربيين عامة والأمريكيين خاصة الحق في إبداء المزيد من المخاوف إذا وضعنا في عين الاعتبار أن ذوي البشرة السوداء من الجاليات التي تعيش بين البيض سيغدون موضع ريبة إلى أن يثبت بحقهم العكس.

المدهش في التيار السلفي الجهادي أنه يعمل على الأرض بغض النظر عما إذا كان الإعلام العربي أو الدولي موجودا على الكرة الأرضية أو مختفيا، والعجيب في هذا الإعلام أنه ما زال يعتقد أن السلفية بحاجة إليه، ومع أن السلفية الجهادية توجه أشرعتها بعكس الرياح إلا أنها تسير! فمن يستطيع فك هذه المعادلة؟