‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 3 سبتمبر 2010

كاميليا وملحمة التوحيد (3)

د. أكرم حجازي




30/8/2010
لم يعد خافيا على أحد حجم المشكلات الداخلية التي تفتك بالكنيسة الأرثوذكسية في مصر لاسيما الهروب الجماعي والنوعي من المذهب الأرثوذكسي باتجاه الكنيسة الإنجيلية، والناجم عن التشدد بقضايا الأحوال الشخصية إلى درجة الانغلاق التام. ولم يعد خافيا حجم المال الطائفي المتدفق على الكنيسة في محاولة لإنقاذها من التفكك وانهيار المذهب. ولم يعد خافيا استقواء الكنيسة بالغرب على مصر المسلمة، واستعمال التحشيد الطائفي وسيلة فعالة لجني الأرباح ممن صاروا بعرف العامة تجار الدماء.

رغم ذلك؛ فما من ضرورة للاعتقاد بأن الكنيسة في حالة تخبط وارتباك حتى لو بدت المؤشرات الراهنة كذلك! وتبعا لذلك فلا يجوز تعليق جرائم الكنيسة، بحق المئات والآلاف من النصارى الذين اتخذوا من الإسلام دينا لهم، على مشجب تيار متطرف نافذ داخل الكنيسة. وفي المقابل لا يجوز أيضا تعليق الصمت المخزي لكافة القوى والفعاليات المصرية تجاه السيدة كاميليا وأخواتها على مشجب الوحدة الوطنية بحجة تفويت الفرصة على دعاة الفتنة الطائفية والمروجين لها أو الساعين إلى جرِّ مصر لها.


مع ذلك سنقبل، مبدئيا، القول بأن جرائم الكنيسة الأرثوذكسية في مصر تتعلق بتيار متطرف داخل الكنيسة، يتلقى دعما من الخارج وخاصة من أقباط مصر، وبدعم أمريكي مكشوف. لكن بشرط أن نحصل على إجابات قاطعة عن:


اشتراك أجهزة الأمن والأزهر في تسليم كاميليا إلى الكنيسة، ومن قبلها وفاء قسطنطين. فالثابت بشهادة الشهود والمختطفين، بالإضافة إلى اعترافات خَوَرَة الكنيسة، أن موظفي إشهار الإسلام في الأزهر رفضوا إتمام الإجراءات الرسمية في اللحظة الأخيرة، وأن كاميليا اختطفت من قبل أجهزة الأمن في الشارع وعلى مرآى العامة من الناس، وأنها الدولة المصرية سلمتها للكنيسة التي أعلنت احتجازها في مكان أمين! وأنها لن تظهر على وسائل الإعلام إلا بمعجزة!

صمت مؤسسات الدولة المعنية بشكل مباشر كوزارة الداخلية والنيابة العامة اللتان ترفضان التحقيق فيما ترتكبه الكنيسة من جرائم منذ سنوات. وعدم التحقيق مع المتورطين في جرائم الكنيسة خاصة بعد أن كشف أمين عام حزب الوفد أن الذي أمر بتسليم وفاء قسطنطين إلى البابا شنودة هو زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية وعضو الحزب الوطني الحاكم والأمين العام المساعد لشئون التنظيم والعضوية والمالية والإدارية!

الصمت الموازي لوسائل الإعلام والقوى الإسلامية والمنظمات الدولية والحقوقية عن مجرد التحدث في القضية، ومحاولة وسائل أخرى تشويه القضية وتحريفها. وسنقبل القول بأن أغلب هذه المؤسسات ذات تمويل خارجي يملي عليها ما تقول وما لا تقول. لكن ماذا عن الجماعات والتيارات والمؤسسات الإسلامية؟ هل هي ممولة أجنبيا؟

الحقيقة أنها، على الأغلب، ليست كذلك. لكنها أسوأ من أن تكون أسيرة لأطروحات مشوهة. ففيما كانت هذه القوى تتراجع؛ كانت الكنيسة على امتداد السنوات الماضية تتقدم. فالقوى الإسلامية والتيارات المماثلة تم تجريدها تدريجيا من هويتها وأهدافها، ودفعها إلى الساحة العلمانية، لاستنزافها عقديا ونقض عرى الإسلام عندها عروة عروة إما عبر المماحكات الدستورية أو عبر مصطلحات الوسطية والتسامح بحيث تبقى أسيرة الدفاع عن نفسها ، وهكذا صارت (1) تتسامح بالحكم الشرعي وتنادي بالدولة المدنية وتشرِّع لها منذ العهد النبوي إلى عهد البابا شنودة، أو (2) تتجنب الحديث عن نظام العقوبات في الإسلام وتحرف في محتواه وترفض العمل به وكأنه جريمة إنسانية وليس تشريعا ربانيا! و (3) صارت قوى منفتحة تعلن تمسكها بحقوق المرأة وحريتها وسفورها كيفما شاء، و (4) تتنصل من الجهاد والمقاومة وصولا إلى حد الإدانة السافرة، و(5) وتدافع عن حقوق المواطنة الكاملة لغير المسلمين حتى لو صار رئيس الدولة مجوسيا أو نصرانيا. بل أن جماعة الإخوان المسلمين غدت تعبر عن نفسها كجماعة وطنية صرفة لا علاقة لها بأية نشأة تاريخية أو هوية إسلامية لدرجة أنها عينت قبطيا في مكتب الإرشاد!!! فما الذي حققه هؤلاء من عمليات استنزافهم المنظمة؟ لا شيء سوى المذلة والعجز. ولو وضعنا كل احتمالات الموقف تجاه نصرة السيدة كاميليا لما استطاع الإخوان القيام بأدناها منزلة.


أخيرا؛ بماذا نفسر اجتماع كل هذا الطابور على طي الجريمة بهذا الشكل المنسق والمنظم تنظيما محكما في صمته وتجاهله لقضية بعينها ؟!!

هذه هي التساؤلات التي تحتاج إلى إجابات قاطعة إذا كان على الأمة أن تقبل بأطروحة وجود تيار متطرف داخل الكنيسة يتحكم في سياساتها ويوجه اختياراتها تجاه المسلمين في مصر ويحرك كل الخيوط، داخليا وخارجيا. لكن السخيف في الأمر أن هذا التيار يقف على رأسه البابا شنودة وليس بعض أعوانه فحسب. فبأي منطق يجري الحديث عن تيار متطرف بينما رأس الكنيسة هو من يقوده!؟


ما من منطق إطلاقا إلا التسليم بحقيقة أننا بصدد مواجهة توجه جارف داخل الكنيسة يشعر، كغيره من القوى المعادية، أن الوقت ملائم لتصفية حسابات تاريخية مع المسلمين خاصة وأن المسلمين يعيشون حالة استضعاف شاملة واستهداف مكشوف من القوى الكبرى. وفقط في هذا السياق بالذات يمكن الحديث عن تيار متعجل وأشد تطرفا ينشط لاصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد عبر تصدير المشاكل للخارج لحلحلة الأزمات الداخلية من جهة والاستثمار في الفتنة من جهة أخرى.


في 28/8/2010 نقلت صحيفة « المصريون» عن مصدر كنيسي وصفته بـ « الرفيع» أن: « البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية عقد اجتماعاً مهما للغاية صباح الجمعة مع عشرة من الأساقفة لمناقشة تطورات قضية كاميليا شحاتهً»، وأنه: « يعتزم إنشاء هيئة للعائدات للمسيحية تكون مهمتها التحفظ على السيدات اللاتي حاولن إشهار إسلامهن، وقامت الدولة بتسليمهن للكنيسة وخصوصاً زوجات الكهنة، على أن يكون أسمها "بيت العائدات للنور"»، وأن: « رجال الأعمال الأقباط أبدوا استعدادهم للتبرع من أجل إنشاء هذه الهيئة» .


هذا الخبر فيه كل أركان الجريمة. وفيه إصرار على نفس السياسة الدموية التي ستتبعها الكنيسة مستقبلا وليس تيارا بعينه. ويعني أيضا أن شنودة والكنيسة والممولين والقوى الخارجية اجتمعوا، في الداخل والخارج، على إعلان حرب شاملة على كل من يشهر إسلامه لاحقا، وأن الجريمة ستغدو منظمة وتحت إشراف شنودة نفسه وعلى الملأ. أما الدولة:


* فإذا لم تكن تمتلك من أسباب القوة ما يلزم الكنيسة بالكشف عن مصير المختطفات والمختطفين؛


* وإذا لم تكن تمتلك من أسباب القوة ما يمكنها من ملاحقة المتورطين؛


* وإذا كانت قد استسلمت لعجزها وتخلت عن دورها ...


فقد تجد نفسها بعد وقت قليل مرغمة إلى أن تفسح المجال لغيرها. أما أولئك الذين يبررون استمرار العجز بدرء الفتنة فعليهم أن يجيبوا على الأسئلة الحائرة بعد أن بلغ الاحتقان مداه، وقبل أن ينفجر الوضع.


البابا شنودة والكنيسة في أضعف حالاتهما. وليس أمام شنودة اليوم إلا أحد خيارين: إما أن يظل صامتا ومختفيا لا يجرؤ على التصريح ولو بكلمة عن كاميليا وأخواتها، ولن يستطيع ذلك، وإما أن يتحدث عن كل الملابسات وبأدق التفاصيل، ويفصح عن مصير كافة الأخوات المختطفات وموقف الكنيسة من عشرات المختطفين في الأديرة، والذين لا يعرف مصيرهم بعد. وإلى أن يتحدث فليس من الحكمة قبول فكرة أن وفاء قسطنطين قتلت، هي، أو أي من أخواتها.


أما كاميليا شحاتة، التي لا تجد من يدافع عنها سوى العامة الذين لا حول لهم ولا قوة، وبضعة مواقع أو صحف أو كتاب، فهي اليوم حسناء التوحيد وصفاؤه وقوته وإحدى رموزه، وهي أقوى من جلادها البابا شنودة، وأقوى من رئيس الجمهورية، وأقوى من الأزهر، وأقوى من كافة الجماعات والتيارات الإسلامية، وأقوى من 80 مليونا، وأقوى من كل وسائل الإعلام، وأقوى من الصمت.

كاميليا وملحمة التوحيد (2)

د. أكرم حجازي




26/8/2010
ببساطة .. فأرباب الكنيسة القبطية يعترفون باختطاف السيدة كاميليا شحاتة، واحتجازها في مكان أمين، وتعذيبها عذابا شديدا، وإجراء غسيل مخ على المغسول. ويعترفون أنها أصيبت بالجنون المطبق، وأن أطباء الكنيسة فشلوا في إعادتها إلى طبيعتها، وأنهم اضطروا لحقنها بأدوية تفقدها العقل كي تهدأ وترتاح. ويعترفون أيضا أنها رفضت مواعظ الكنيسة والاستماع إلى الكهنة! وأنها لن تعود إلى طبيعتها! إنهم يعترفون بكل جريمة ارتكبوها على الملأ، ويعترفون أنهم يزدادون وحشية في تعذيبها كلما تتطلب الأمر ذلك، ويعترفون أنهم لن يسمحوا بإظهارها على وسائل الإعلام، ولن يسمحوا لها بمغادرة الدير، وأن البابا شنودة تلقى ضمانات من الدولة بعدم فتح تحقيق في الموضوع، وأنهم أوصوا بتجاهل القضية حتى تموت حتى لا يتكرر سيناريو وفاء قسطنطين. وأكثر من ذلك يعترفون بأنه من غير المسموح للنصارى دخول الإسلام في مصر. ومن أراد غير ذلك ففي الخارج وليس في مصر.

كل هذه التصريحات يجري إطلاقها على الملأ، وبدون خوف ولا حساب لأي ضابط. أما الطرف المقابل ويكأنه، وهو يستمع ويشاهد ويقرأ مثل هذه التصريحات والاعترافات، لا يملك إلا الطاعة والصمت المطبق. فلا نواب ولا مشايخ ولا علماء ولا جماعات ولا شخصيات ولا قوى اجتماعية أو سياسية ولا جمعيات إنسانية أو منظمات حقوقية عقبت بكثير أو قليل داخل مصر وخارجها وصولا إلى المنظمات الدولية قاطبة وهيأة الأمم المتحدة! وهكذا فلو كان دخول كاميليا لا يقدم أو يؤخر في مسيرة الأمة كما يقول محافظ المنيا في إفطار الوحدة الوطنية مع البابا شنودة فأي معنى إذن لهذا الصمت الوحشي الذي لم يسبق له مثيل ضد امرأة واحدة؟


عدد الإخوان المسلمين في مصر، وفق حسابات الجماعة، يقارب الأربعة ملايين ممن تزيد أعمارهم عن 18 عاما! وعدد الأقباط من رضيعهم إلى عجوزهم قد يزيد قليلا عن الستة ملايين! وفي العالم فإن عدد منتسبي الجماعة وفق الحسابات الأمريكية 70 مليونا و100 مليون وفق حسابات الجماعة، ومع ذلك لم يطلب منهم أحد أن ينزلوا إلى الشارع بقدر ما استغرب الجميع امتناعهم العجيب عن إصدار ولو بيان واحد في مصر أو في أية دولة في العالم! ولن يصدروا أبدا. أما لماذا؟ فلأن كاميليا وأخواتها وغطرسة الكنيسة وتهديد الإسلام في مصر وغير مصر ليست من مدخلات دعاة الوحدة الوطنية والتسامح والوسطية والشمولية، وبالتالي لا يمكن أن تكون من مخرجاتها في يوم من الأيام.


ما أن تطالع مقالات الكتاب والمفكرين وبعض المشايخ المعدودين على الأصابع عن قصة كاميليا حتى تشعر أن قلوبا تكاد تتفجر غيظا ليس على الكنيسة وجرائمها بل على العجز ومشاعر الرعب والكبت التي يعانونها من بطش السلطة فيما لو رفعوا عقيرتهم بالصياح أكثر قليلا، وقلوبا اخترق القهر شغافها على المسلمين الذين تحولوا بمئات الملايين إلى غثاء كغثاء السيل، وقلوبا تحترق كمدا على الذين استهانوا بالإسلام وأودعوه في أحضان الكنائس والأديرة وهي تتحول تدريجيا إلى قلاع حصينة مدججة بالأسلحة وأقبية التعذيب والقتل. ولعل الوقت لن يطول كثيرا حتى تنفجر خرافة الوحدة الوطنية بوجه المتخاذلين والصامتين والمتواطئين ليدفع الثمن حينها الأمة برمتها. ويا ويلهم آنذاك.


في التاريخ الإسلامي ظهرت شريحة من العلماء اشتهرت باسم وعاظ السلاطين، ممن تطوعوا للعمل في مجالس الأمراء والسلاطين لإرشادهم على أنجع السبل في التحايل الفقهي على العامة والخصوم عبر ما يقدمونه من فتاوى تلتف على الأحكام الشرعية. لكن هذه الشريحة تضخمت اليوم وتحولت إلى ما يشبه شياطين الوعظ والإرشاد والدعوة. ومع ذلك تجد من يرقع لهم ويطالب الضحايا أن يثنوا لهم الركب ويحدثوهم بأدب ويخفضوا أصواتهم ويناصحوهم سرا في قضايا يعلمون علم اليقين أنها لم تعد محلا لفتوى أو لنصح.


يا عالم .. يا بشر .. القصة ليست قصة امرأة دخلت الإسلام. القصة قصة إسلام يجري شطبه جهارا نهارا. قصة دين ممنوع أن يهتدي إلى كافر أو مشرك ويدخل إليه! قصة بلد تعمل الكنيسة على تحريره مما تراه ثأرا من الغزو الإسلامي، وتعد العدة لذلك.


مصر اليوم يا سعادة المحافظ، بعيوننا نحن المسلمين من خارجها، صارت دولة خاضعة لسلطة الأديرة والكنيسة التي تصول وتجول فوق كل اعتبار .. سلطة تفرض حظرا على كل من يدخل الإسلام وإلا فإن عقابه التهديد والخطف وحبوب الهلوسة وتغييب العقل حتى القتل. كنيسة باتت اليوم أكثر أمانا وقوة من القصر الجمهوري.


ما لها الأمة تصمت بعلمائها ومشايخها وقواها وجماعاتها وكأن على رؤوسها الطير؟ هل يعقل أن تكون المصالح والامتيازات والوحدة الوطنية والبعد عن الفتنة أولى من نصرة التوحيد ودين الله وحرمات المسلمين وأعراضهم؟ وهل يعقل أن يكون الصمت الوحشي هذا أحكم المواقف بينما تتلوى الأمة من الغطرسة والفجور والتحدي وامتهان دينها وتهديد كيانها وتمريغ كرامتها بوحل النجاسة؟ هل يعقل هذا الصمت والتآمر الرهيبين بينما تتلوى كاميليا ووفاء وياسمين وأخواتهن تحت هول التعذيب؟


وهل صار كل احتجاج على الظلم مدخلا يسيرا لتهمة الخروج على ولي الأمر؟ إذا كان الأمر كذلك فأبشروا .. فكل الأمة خوارج إلا من صمت على الجريمة. وإذا كان الانتصار للحق ولكاميليا خروجا يغيظ الصامتين والمتواطئين فلا بأس من أن نردد اسمها نكاية بهم في كل حين، وحتى لا تموت القضية. أما الكنيسة فلتمت بغيظها، وتعسا للجبناء والمتخاذلين والمتواطئين وأصحاب المصالح.


اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.

اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.
اللهم ثبت كاميليا وأخواتها على دينك، واربط بالحق على قلوبهن، وفرج كربهن، واخذل من خذلهن.

كاميليا وملحمة التوحيد

د. أكرم حجازي

23/8/2010

{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر}


في بلطجة أمنية، وزعرنة فاضحة، هيأت لها الميدان عصابات أمن الدولة، ونفذتها الكنيسة، وشارك فيها موظفو الأزهر الرسمي، بتواطؤ خبيث ومنحط من بطاركته الجدد، اختطفت السيدة كاميليا شحاتة زاخر (25 عاما) زوجة كاهن دير مواس في محافظة المنيا بمصر، وسلمت للكنيسة القبطية كي يجري لها غسيل مخ على الغسيل كما يقول أرباب الكنيسة. كل ما نعرفه، حتى الآن، أن السيدة كاميليا طي المجهول رفقة أخواتها، من قبل، وفاء قسطنطين وعبير ناجح إبراهيم وياسمين وماري عبد الله زكي وماريان مكرم عياد وكريستين مصري قليني وتيريزا إبراهيم.

صمت مخزي .. متآمر .. وشبه مطبق خيم على الجريمة، لولا بعض الأصوات والبيانات هنا وهناك. بل أن رئيس لجنة الفتوى بالأزهر أنكر بكل صفاقة، وكذب بأفجر ما يكون الكذب حين زعم أن السيدة كاميليا لم تسجل أي طلب لإشهار إسلامها بالأزهر!


وحدها، جبهة علماء الأزهر التي نأت بنفسها عن البطاركة، ومن بين عشرات الآلاف من العلماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ردت على الجريمة، فأصدرت فتوى صفعت وجه هذا البطريرك الفاجر حين قالت:


« أن كل من ساهم في خذلان من اختار الإسلام دينًا بأن امتنع عن نصرته، أو دل عليه عدوه، أو أسلمه إلى الكنيسة فهو مرتد عن الملة، ساعٍ في استئصالها، وأن الواجب على المسلمين تجاه هذه الجرائم أن يستبرؤوا لدينهم وعرضهم، ويسعون بكل ممكن لفكاك رقابهم من أغلال هزيمة دينهم، وأنه إذا تعينت مقاطعة النصارى سبيلاً للنصرة أصبحت فريضة من الله مفترضة لا يقبل الله فيها صرفًا ولا عدلاً».


أما أولئك الذين صدعوا رؤوس المسلمين في شتى أنحاء العالم باستنكارهم للجهاد وإدانته وعدم شرعيته اليوم، لا دفعا ولا طلبا، فقد انعقدت ألسنتهم بقدر ما انفجرت وهي تتباكى زورا وبهتانا على مصير الدعوة والدعاة والتضييق عليهم. فمن هم المستهدفون إذن بالدعوة منذ عشرات السنين إذا كان الصمت قد أعجز هؤلاء عن نصرة فتاة دخلت الإسلام؟ أم أن كاميليا متطرفة وخارجية؟ أين هم دعاة الإصلاح والتغيير؟ وأين هم العائدون إلى رحاب الدعوة من بعد صولات وجولات؟ وأين هم دعاة ولي الأمر مما فعلت أجهزته الأمنية وجلاوزته؟


مشكلة هؤلاء أنهم أسرى لشذوذ عقائدهم ومصالحهم المشبوهة، فمواقف البابا شنودة من التطبيع مع اليهود عندهم أهم من الانتصار لمسلمات يواجهن مصيرا مجهولا ومؤلما، ومع ذلك لا يرتد لهم طرف. مشكلة هؤلاء، أيضا، أنهم لم يدركوا بعد أن ما يجري في مصر، على الأقل منذ سنة 2004، هي ملحمة توحيد بكل ما في الكلمة من معنى. فالمسلمون الآن لا يستطيعون حماية، ليس وفاء قسطنطين أو كاميليا شحاته وأخواتهما فحسب، بل الآلاف من النصارى، ذكورا وإناثا، ممن لا يجرؤون على الدخول في الإسلام لخشيتهم من التعذيب أو القتل أو المصير المجهول الذي يتربص بهم في غياب من يحميهم أو يدافع عنهم. فماذا بقي من الإسلام في مصر إذا كان ثمانون مليونا فيها بعلمائهم وجماعاتهم ومشايخهم، إلا من رحم الله، لم يعودوا قادرين على حماية مهتدي دخل في دين الله؟


أغلب الأخوات اللواتي اختطفتهن كنائس الإجرام في مصر هنَّ من زوجات الكهنة، والأهم أنهن أخفين إسلامهن لسنوات سابقة. فوفاء قسطنطين كانت تحفظ القرآن الكريم قبل أن تقرر إشهار إسلامها سنة 2004. أما كاميليا شحاته فقد خاضت ملحمة التوحيد بأدق تفاصيلها.


فتاة في مقتبل العمر تعشق الحشمة والحياة ولا تجد من زوجها الكاهن إلا السخرية، تنجب ولدا، وبعد ستة أشهر تعتنق الإسلام، وتبدأ بإعداد العدة، فماذا فعلت؟


• بدأت تعد رضيعها للفطام مبكرا، باستعمال حليب النيدو المذوب بالماء البارد حتى إذا ما اضطرت لتركه يكون مهيأ لرضاعة سهلة.


• ثم بدأت تعده للانفصال عنها عبر تعويده على النوم بعيدا عن حضنها.


• حساب توفير مالي سجله زوجها باسمها لأنه غير شرعي، وبلغت قيمته مع الوقت قرابة الـ 35 ألف جنيه مصري. سحبته ووضعته في مغلف على سرير زوجها عملا برد الأمانات إلى أهلها. وحتى لا تتهم بالسرقة، وقد اتهموها! وقالوا أنها تعاني من مشاكل مالية مع زوجها!


• حفظت أربعة أجزاء من القرآن الكريم والعديد من الأحاديث والأحكام الشرعية.

• شرعت في قراءات واسعة للتعرف على الإسلام والتاريخ الإسلامي وسيرة المسلمين والصحابة والتراث الإسلامي.

• وثقت إسلامها لدى أستاذ في المدرسة التي تعمل بها تحسبا من قادم الأيام وما يخبئه القدر.


• أشهرت إسلامها، على نطاق جزئي، بين زميلاتها قبل أربعة أشهر من بدء مباشرتها لتوثيق رسمي انتهى باختطافها.


• سعت حثيثا لتوثيق إسلامها رغم شدة المخاطر التي تتعرض لها ومعرفتها بما جرى لأخوات لها سابقا.


• ضحت برضيعها مقابل سمعة الإسلام والمسلمين ودين الله حتى لا يصطاد المجرمون بالماء العكر فيحولون القضية من الدخول في دين الله إلى قضية جنائية تتعلق باختطاف رضيع.


• أتلفت شريحة هاتفها المحمول لقطع دابر الاتصال بها أو محاولة التعرف على مكانها.


• أخفت إسلامها وإيمانها وابتعدت عن زوجها دون أن تثير ريبته طيلة سنة ونصف. بل أنها خاضت ملحمة التوحيد سرا بكل تفاصيلها.


في المقابل رفض موظفو الأزهر إتمام إجراءات المعاملة لتوثيق إسلامها، وتواطؤوا على تسليمها للأمن ومن ثم للكنيسة. وتنكر لها والدها بالقول: كاميليا ماتت. لا بأس. فهي لا تحتاج لهؤلاء وأمثالهم، ولا لتوثيق إسلامها بأوراقهم النجسة والمزورة، التي لا تغني ولا تسمن من جوع. فكفاها أنها خاضت، بإيمان عميق، وشجاعة نادرة، ملحمة توحيد على الملأ، وكفاها شهادة الدنيا على إسلامها. وكفاها أن فضحت المفضوح، ومسخت المسوخ، وكفاها أنها قدمت درسا في الصدق والتضحية للأمة برمتها في مشارق الأرض ومغاربها.


لا شك أن كاميليا سمعت بقصة فاطمة في العراق وكيف اجتمع مجرمو اليزيدية على قتلها بأبشع صورة في وسط البلد بعد أن أعلنت إسلامها. لكن اليزيديون دفعوا ثمنا باهظا قاربوا فيه على الانقراض لقاء فعلتهم، وانقرضت محاولات المس بمن يدخل الإسلام في العراق. أما عصابات الأزهر الرسمي والصامتون على الجريمة فلعلهم ظنوا أن كاميليا غدت إحدى خوارجيات العصر فلم يعقبوا على الجريمة لأنهم ليسو أهلا لمواجهتها! لا بأس ثانية. فمن لا يدري حجم ما فعلته كاميليا وفاطمة ووفاء وأخواتهن من قبل؛ عليه أن يعلم أنها ملحمة من ملاحم التوحيد العظيمة في تاريخ الأمة كلها أثبتن فيها عظمة الإسلام ونقائه وأمانه في أحلك الظروف، وفي عقر دور الشرك مقابل فساد الكنائس وفضائحها ووهم ما تدعو إليه. فهنيئا لهن، وفرج الله كربهم، ويا ويلنا إنْ نجون ولم ننج مثلهن.

السبت، 2 يناير 2010

عمائم الحكم في إيران حان قطافها

هل دخل النظام الإيراني في مرحلة الاحتضار ؟ أي نعم ان ذلك أصبح أمرا واقعا غير قابل للإنكار مهما حاول هذا النظام وأتباعه من المتأرينين و المحزبلين والمتحمسين ‘ نكران ذلك.

فان ما شهدته شوارع طهران و المدن الرئيسية الأخرى يوم عاشوراء ( الأحد 27 ديسمبر المنصرم ) من مصادمات دامية والتي أودت بحياة وجرح العشرات من المتظاهرين ومن عناصر الحرس الثوري و الباسيج والشرطة ‘ناهيك عن اعتقال الآلاف من المحتجين‘ لا يستطيع احد ان يعطي تفسيرا مغايرا لحقيقة أزمة الصراع القائم بين أبناء البيت الداخلي للنظام من جهة وبين الشعوب الإيرانية و هذا النظام من جهة ثانية .

فهذا الصراع لم يسبق للنظام ان دخله من قبل فما كان سائدا من قبل هو معارضة تقليدية استطاع الملالي قمعها بمختلف الأساليب الوحشية ولكن الصراع على السلطة والاختلاف على تقاسم الثروات والمناصب بين أجنحة النظام من جهة ‘ وبين الحرس الثوري والملالي من جهة أخرى لم يسبق ان مر به نظام الملالي ‘ ولكن الآن انفجر الصراع الذي كان مدفون تحت الرماد و نزل الى الشارع كالسيل المنهمر يتحدى السدود والقيود التي كان النظام يتستر بها على صراعاته الداخلية .

لقد سعى الملالي طوال العقود الثلاثة من عمر نظامهم المتوحش وصم كل من عارضهم بالشيوعية والليبرالية ومعادة الثورة و محاربة الله والإفساد في الأرض و غيرها من التهم و المصطلحات الأخرى التي ليس لها مكان في قاموس أدب السياسة الخلاّقة .غير ان شدت فساد أركان النظام وتهافتهم على السلطة واختلافهم على تقاسم ثروات الشعوب الإيرانية قادهم الى ما هم عليه من الصراع الذي وضع بسمار النهاية في نعش نظامهم المتوحش .

لقد استبدل أركان النظام الإيراني مصطلحاهم السابقة التي كانوا ينعتون بها خصومهم بأخرى جديدة من قبيل ‘ أعداء الولاية ‘ أصحاب الفتنة ‘ أتباع الوهابية ‘ عملاء الاستكبار‘ وغيرها من التهم الأخرى التي وان اختلفت أسماءها إلا ان عقوبتها واحدة وهي الإعدام أو السجن المؤبد أو غيرها من العقوبات المجحفة .

و في مسعى جديد للضحك على الذقون فقد لجئ نظام الملالي ‘ ومن اجل استدرار عواطف ممن مازالوا مصدقين بالشعارات الثورية للنظام و أولئك الذين مازال لديهم بعض الحب لقائد الثورة الراحل (آية الله) الخميني ‘ الى حرق صور الأخير تارة وإلقاء التهمة على المعارضة وتارة أخرى اتهام المعارضة بعدم احترام مناسبة عاشوراء واهانة الشعائر الحسينية ! غير أن النظام تناسى ان من يقود المعارضة اليوم هم من اشد أنصار الخميني وكانوا من اقرب المقربين له يوم كان احمدي نجاد وغيره من القادة الحاليين للنظام والسلطة ليس سوى عناصر صغيرة في مليشيات التعبئة والحرس الثوري و رجال دين بسطاء يأتمرون بأوامر القادة الحاليين للمعارضة من أمثال مير حسين موسوي الذي تولى منصب رئاسة الوزراء لمدة ثمانية سنوات وكان ثاني شخصية في السلطة بعد الخميني‘ وهكذا هو حال الشيخ مهدي كروبي الذي عمل رئيسا للبرلمان لعدة سنوات و رئيسا لأكبر مؤسسة اجتماعية في إيران وهي ما تسمى بمؤسسة ( الشهيد ) صاحبة الثروة المالية والنفوذ الاجتماعي والسياسي داخل إيران وخارجها .

يضاف الى هذه الشخصيات هناك العشرات من القيادات الدينية والسياسية التاريخية التي لعبت أدوارا مهمة قبل وبعد الثورة وكان لها مناصب قيادية عالية جدا . ومنها على سبيل المثال المرجع الديني البارز آية الله يوسف صانعي الذي كان ممثلا للخميني في عاصمة إيران الدينية "مدينة قم " وإمام الجمعة فيها لعدة سنوات ‘ والدكتور إبراهيم يزدي الذي كان من ابرز معارضي نظام الشاه ومن اقرب المقربين للخميني وأصبح أول وزير خارجية لحكومة الثورة ‘ وهؤلاء جميعا من الشيعة الذين لا يقل اعتقادهم بمناسبة عاشوراء عن من سواهم من قادة نظام الملالي الطائفي‘ ولكن قد تناسى أركان هذا النظام ان مناسبة عاشوراء إنما وجدت لمواجهة الظلم وقول كلمة الحق في وجه السلطان الجائر‘ أليس هذا ما يقرأه الملالي على المنابر ؟. ثم الم تكن مناسبة عاشوراء و لعدة سنوات مسرحا للمظاهرات ضد نظام الشاه فكيف أصبح الآن التظاهر في هذه المناسبة ضد الظلم والظالمين يعد انتهاكا لحرمة عاشوراء وحرمة صاحبها الإمام الحسين ؟.

ان محاولة التلاعب بالألفاظ والمصطلحات لتأجيج عواطف البلهاء لا يمكن ان يغير من الواقع شيء فمثل هذه السياسة لم تسعف الشاه البهلوي الذي كان يصف المظاهرات المليونية المعارضة لنظامه التي كانت تخرج في طهران و تبريز وغيرها من المدن الرئيسية بأنها مظاهرات لمجموعة من الشيوعيين جاءوا من خارج الحدود ! دون ان يسأل نفسه كيف تسنى لهذه الملايين من الشيوعيين الدخول الى إيران ليتظاهروا ضده وهو الذي يمتلك اكبر جهاز شرطة سرية ( الساواك ) فضلا عن جيشه الذي كان يوصف بأنه رابع جيش في العالم ؟.

ما قاله الشاه ضد الخمني وأعوانه وضد معارضيه عامة نراه ونسمعه يتكرر اليوم على لسان خامنئي واحمدي نجاد وسائر أركان النظام الإيراني ‘ حيث ما فتئ هؤلاء وهم يكيلون التهم لأمريكا والدول الغربية بالوقوف وراء المظاهرات المنددة بسياسة نظامهم القمعي وقد طالت الاتهامات الكاذبة سفارة المملكة العربية السعودية في طهران حيث حملتها السلطات الإيرانية المسؤولية عن المظاهرات المليونية التي اندلعت في يوم عاشوراء ضد نظام الملالي .

فقد نشر موقع "تابناك" التابع لامين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام الجنرال محسن رضائي ‘ ما نصه : " نقل مصدر مطلع أراد عدم الكشف عن هويته ان بعض خيوط الأحداث غير المتوقعة التي وقعت في يوم عاشوراء في طهران تعود الى السعودية.

وقال هذا المصدر بان السعودية ومن خلال إقامة اتصال مع بعض العناصر المشاغبة ومدها بالمال ، استخدمتها لإثارة أعمال شغب وبالتحديد في الموضوعات الدينية. وأضاف بان السعوديين ونظرا الى النظرة السلبية للإيرانيين تجاهها لم يستخدموا عناصرهم المباشرة بل حاولوا القيام بذلك من خلال وسطاء " .


فعلا ان شر البلية ما يضحك ‘ فهذه الاتهامات وغيرها التي يوزعها قادة النظام الإيراني وأبواقهم الدعائية لا يمكنها التغطية على حقيقة الوضع الذي أصبحوا فيه ‘ فلولا الإحساس باقتراب الأجل لما احتاج نظام الملالي لكل هذا القمع الأعمى وكيل التهم البطالة الى المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول الأخرى ‘ ولا قام بعض مرجعيات النظام وآياته الكبار بطرح مبادرات لحل الأزمة بهدف إنقاذ النظام ‘ فقد نقلت صحيفة " آفتاب " الإصلاحية عن ( آية الله العظمى ) ناصر مكارم شيرازي المحافظ قوله " اعتقد ان الخلافات الجارية لها حل سلمي، لم لا نبحث فيها؟و من جهته صرح آية الله جعفر صبحاني المحافظ للصحيفة نفسها انه على القادة الإيرانيين " ترك باب التفاوض مفتوحا والحفاظ على رحابة الإسلام عبر إنشاء ظروف الوحدة" . كما دعا المرجع اللبناني الموالي لإيران ( آية الله ) محمد حسين فضل الله هو الآخر نظام الملالي الى توصل الى حل ينهي الأزمة مع المعارضة .ودعوات كل هؤلاء المراجع وغيرهم إنما جاءت بعد إحساسهم بقرب زوال نظام العمائم الفاسدة . ولكن قد فات الأوان‘ فحين تتكسر قوائم البعير فلن تسعفه التعويذة و التبخير

صباح الموسوي 

الاثنين، 7 ديسمبر 2009

أوباما واستنساخ نموذج غورباتشوف في الانسحاب من أفغانستان



د ـ أحمد موفق زيدان

كل من تابع الحربين المدمرتين على أرض أفغانستان خلال العقود الثلاثة الماضية يدرك مدى تشابه البدايات والنهايات في ذينك الحربين، فبداية الحرب السوفياتية على أفغانستان عام 1979 حين حطت سنابك القوات السوفياتية دون دعوة رسمية من الحكومة الأفغانية إذ أن الرئيس الأفغاني حينها نور محمد تراقي قُتل على أيدي المحتلين الجدد وتم تنصيب بابراك كارمل سلفا له على الحكومة الجديدة، وظل المحتل السوفياتي يبحث عن ذريعة شرعية وقانونية دولية تبرر تدخله عبر دعوته من قبل الحكومة الشرعية القانونية الأفغانية الغائبة، لكن السوفييت فشلوا في ذلك إذ أن بابرك كارمل ألقى حينها خطاب دعوة القوات السوفياتية لاحتلال بلاده أو لمساعدة حكومته كما أعلن من طشقند في أوزبكستان التي كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي، ولم يعلنه من كابول التي كانت لا تزال تحت سيطرة خصمه السياسي تراقي، ونفس الأمر تكرر في أفغانستان بعد عقدين من الزمن حين دخلت القوات الأميركية بدون دعوة رسمية من الحكومة المركزية الشرعية، فطالبان كانت لا تزال على رأس السلطة، ولذا سارع الأميركيون مع حلفائهم الغربيين إلى عقد مؤتمر بون وتنصيب كارزاي رئيسا ليلعب دور بابرك كارمل من حيث دعوة المحتلين الجدد..
الآن وبعد مرور عقدين تقريبا على الانسحاب السوفياتي من أفغانستان وثمان سنوات على بدء الحرب الأميركية عليها تتشابه النهايات أيضا فالرئيس السوفياتي آنئذ ميخائيل غورباتشوف حين قرر الانسحاب من المستنقع الأفغاني أو ما وصفه حينها بـ " الجرح النازف" دفع بمزيد من القوات ونشرها على الحدود الباكستانية ـ الأفغانية، من أجل تحميل باكستان مسؤولية ما يجري في أفغانستان، وبرزت عضلات القوات الخاصة السوفياتية المعروفة بـ " السبيتناز" في معارك جاجي وخوست لأول مرة عام 1987 ، آخذا على ما يبدو بوصية الجنرال الأميركي إبان حرب فيتنام والقائلة " أعلن انتصارك ثم انسحب " وهو ما حصل بالفعل ،لكن لم يقع الانتصار، لكن وقع الانسحاب وها هو باراك أوباما يعيد الكرة بعد عشرين عاما..
لقد منح غورباتشوف جنرالاته بعد وصوله إلى السلطة عام 1985 منحهم عاما واحد للنصر أو الانسحاب، وإن كان ذلك استغرق معه أربع سنوات حتى بدأ الانسحاب في الخامس عشر من آب / اغسطس من عام 1989، وها هو أوباما يمنحهم ثمانية عشر شهرا للانتصار ثم الانسحاب، ويتعهد للشعب الأميركي بعدم زيادة عديد القوات في أفغانستان حتى لو تدهور الوضع الأمني هناك ..
بدا واضحا من استراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما أيضا والتي كانت مزيجا من الحرب والسلام، ومزيجا من استراتيجية سلفه جورج بوش العسكرية والسلمية الخاصة بأوباما ، بدا واضحا أنها تسعى إلى تلبية احتياجات المواطن الأميركي دافع الضرائب الذي يكتوي بنار الحرب الأفغانية بشكل يومي ومزيج من الانشغالات الباكستانية التي لا تزال لم يتم الرد على مخاوفها وقلقها وانشغالاتها حتى الآن بل إن الحليف الباكستاني الأهم في إنجاح أو إفشال الاستراتيجية الأميركية بدا قلقا وغير مقتنع بالاستراتيجية الجديدة التي يراها البعض في باكستان على أنها موجهة ضد بلادهم ، أكثر مما هي موجهة ضد حركة طالبان وتنظيم القاعدة …
الرد الباكستاني على الاستراتيجية الجديدة اقتصر على الخارجية الباكستانية ورئيس الوزراء يوسف رضا جيلان خلال زيارته إلى بريطانيا والذي قال فيها إن بلاده تنتظر توضيحات أميركية بشأن الاستراتيجية، لكن الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري أحجم عن التعليق على الاستراتيجية وهو الذي يتعرض لهجوم إعلامي باكستاني غير مسبوق لقربه من أميركا وابتعاده عن المؤسسة العسكرية ..
إن الاستراتيجية الجديدة المتمثلة في إرسال مزيد من القوات، أولا تتناقض مع تصريحات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والمبعوث الأميركي إلى أفغانستان ريتشارد هولبرك بشأن الرغبة في التصالح مع طالبان والتفاهم معها، وثانيا فهي ستؤدي إلى مزيد من التوتر والتصعيد العسكري وهو ما سيقضي على أي بوادر للمساومة والتصالح السياسي في أفغانستان، خاصة وأن خطاب أوباما خلا تماما من الحديث عن المصالحة الوطنية في أفغانستان ، لكن البعض يعتقد أن خلوه من المصالحة الوطنية قد يعود إلى الرفض الطالباني المتكرر لإجراء أي مفاوضات مع الأميركيين ما لم ينسحبوا من أفغانستان وهو ما جعل الاستراتيجية الأخيرة عسكرية صافية نقية خالية من السياسة ..
ومع هذا يرى الكثيرون أنه من غير المنطقي أن يتم إرسال قوات عسكرية إضافية بحجم ثلاثين ألف جندي وربما أكثر من الجانب الأميركي فقط فضلا عن الأوربي الذي تعهد بخمسة آلاف جندي، من غير المنطقي أن يتم إرسال هذا العدد الضخم للتحضير لانسحاب حُدد منذ اليوم الأول للاستراتيجية الجديدة وهو تاريخ يوليو / حزيران من عام 2011، وبالتالي السؤال الذي يتبادر إلى الذهن ما هي الرسائل التي يود الرئيس الأميركي إرسالها إلى طالبان أفغانستان من وراء هذه الاستراتيجية وهي التي ستشعر بالنشوة وربما يدفعها ذلك إلى الكمون وعدم خوض المعارك استعدادا للجائزة الكبرى في إسقاط حكومة كارزاي ومرحلة ما بعد الانسحاب، ينضاف إلى ذلك الرسالة الخاطئة لباكستان حليفة واشنطن في المنطقة التي لا تزال تستذكر الانسحاب والتخلي الأميركي عن المنطقة وعن باكستان قبل عشرين عاما بعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان ..
الواضح أن أوباما تحدث عن كل شيء في خطابه واستراتيجيته باستثناء الحديث عن الأهداف والغايات من وراء الاستراتيجية الجديدة، فلم يتم تحديد فيما إذا كان الهدف هو هزيمة طالبان أو هزيمة القاعدة أو الاثنتين معا، وكما وصفها أحد الخبراء الغربيين بالشأن الأفغاني إن الفجوة بين خطاب أوباما وكلماته عن أفغانستان والعمل المقترح على الأرض مسافة طريق يتسع لشاحنة للمرور فيه ، خصوصا وأن خطاب الهجوم القاسيعلى حكومة كارزاي وأمراء الحرب الذين حوله ربما سيدفعهم إلى التفكير مجددا للاتصال مع طالبان والتحضير لمشهد ما بعد الانسحاب، وهم يرون أن الاستراتيجية برمتها مبنية على حماية أرواح الأميركيين وليس على حماية الحكومة الأفغانية المكتسبات التي تحققت من وراء الاحتلال إن كانت هناك مكتسبات بالطبع .
اللافت جدا هو تشابه تسليم القوات السوفياتية للمليشيات الأفغانية بعض المناطق أثناء انسحابها كما حصل مع مليشيات الزعيم الأوزبكي عبد الرشيد دوستم فسلمته جوزجان ومزار الشريف وكذلك مليشيات عصمت مسلم البشتونية سلمته قندهار، ومليشيات أخرى سلمتها مناطق في الجنوب الشرقي، نفس الأمر أعلنه أخيرا وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس ان الجيش الامريكي قد يسلم المسؤولية الامنية في بعض المناطق الافغانية الى الزعماء المحليين وميليشياتهم لا الى الجيش الافغاني التابع للرئيس حامد كرزاي الذي دربته الولايات المتحدة، وتظهر هذه الاستراتيجية مدى الشكوك الامريكية في كرزاي وأيضا في امكانية تدريب
قوات كافية للجيش الأفغاني في بعض مناطق أفغانستان بما يسمح بانتقال سلس للمسؤولية الامنية في اطار الجدول الزمني الامريكي الجديد.
ويعتقد المسؤولون الامريكيون ان التحالف مع زعماء القبائل المحلية قد
يكون مفتاحا لتوسيع نطاق الامن وتهميش طالبان، وقال جيتس خلال جلسة للكونجرس الامريكي //جزء من استراتيجية الرئيس هي العمل مع مجلس القبائل العمل مع شيوخ القرى العمل مع الحكام الاقليميين وزعماء الاقاليم أيضا، وتتصور وزارة الدفاع الامريكية /البنتاجون/ ان يجري نقل السلطة في أفغانستان على غرار النموذج العراقي حيث سلم الجيش الامريكي المسؤولية الى قوات الامن العراقية ثم بدأ الانسحاب تدريجيا."
المصادر السياسية والديبلوماسية في العاصمة إسلام آباد ترى أن واشنطن أبقت باكستان في الظلام إزاء استراتيجيتها الأخيرة التي لا تخفي إسلام آباد قلقها منها ومن تطبيقاتها على الأرض، سيما وأن حديث أوباما عن كون باكستان مركز زلزال الإرهاب يحمل في طياته دون أدنى شك رغبة وحرصا أميركيا على متابعة وملاحقة القاعدة وطالبان وبقوة في داخل الأراضي الباكستانية، تزامن ذلك مع ما كشفته النيويورك تايمز الأميركية في أن واشنطن تستعد لتنفيذ ضربات جوية في العمق الباكستاني لاستهداف قادة القاعدة وطالبان وهو ما يزيد من المخاوف الباكستانية في أن يطال ذلك مدنا رئيسة بعد حديث أميركي عن وجود زعيم حركة طالبان الأفغانية الملا محمد عمر في مدن مثل كويتا وكراتشي ، ينضاف إليه ما نشر عن عزم أميركا تنفيذ انزال كوماندوز في العمق الباكستاني من أجل القبض على قادة القاعدة وطالبان التي تتوقع واشنطن وجودهم في باكستان ..
باختصار فإن أوباما يود أن يحقق في ثمانية عشر شهرا ما فشل فيه وعجز عنه الاكسندر الكبير قبل ألفين وخمسمائة عام، ويود أيضا أن ينجح فيما فشلت فيه الإمبراطورية البريطانية في القرن قبل الماضي وما فشلت فيه الامبراطورية السوفياتية العام الماضي …
رئيس المخابرات العسكرية الباكستانية الأسبق الجنرال المتقاعد حميد جول يعتقد أن الاستراتيجية الأوبامية الجديدة تركز على تحقيق انتصارات ومكاسب في باكستان أكثر من حرصها على تحقيق مكاسب في أفغانستان، وهو انطباع لدى كثير من النخب العسكرية والسياسية الباكستانية التي تستذكر دائما دفعها ثمن انسحاب القوى الأجنبية من أفغانستان ..
وهنا ربما تحديد الانشغالات الباكستانية وخوفها على انعكاس الاستراتيجية الأميركية عليها وذلك في جملة عوامل وأسباب :
1. حديث رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني خلال زيارته الاخيرة إلى لندن من أن بلاده بانتظار توضيحات بشأن الاستراتيجية الأميركية الجديدة في إرسال مزيد من القوات يأتي على خلفية الانزعاج الباكستاني من عدم بحث الاستراتيجية الأميركية الجديدة معها قبل الإعلان عنها، وضاعف من خطورة الأمر بالمنظار الباكستاني استقبال رئيس الوزراء الهندي مانموهان سنغ في البيت الأبيض وبحث الوضع الأفغاني معه، والذي كان قد حذر من الانسحاب الأميركي المفاجئ من أفغانستان كون بلاده ستتلقى سندان الانتصار الطالباني في أفغانستان عبر دعم المجموعات الكشميرية المقاتلة في الهند وهو ما سيعني تكرار نموذج عمليات مومباي وغيرها، وهنا يبرز الطرح الهندي في معالجة أفغانستان عبر مقاربة هندية ـ روسية ـ إيرانية ، في حين تطرح باكستان مقاربة باكستانيةـ صينية كونهما أكثر التصاقا ومعرفة بالوضع الأفغاني ..
2. القلق الباكستاني يتمثل في الأماكن والمناطق الجغرافية التي سيُصار إلى نشر القوات الجديدة فيها، فإن كان الانتشار على الحدود الباكستانية ـ الأفغانية ، وتحديدا المتاخمة لاقليم بلوشستان المضطرب فهذا يعني انتقال المعارك وانتقال معه الملاحقة والمطاردة الأميركية الساخنة لمقاتلي القاعدة وطالبان إلى داخل المناطق الباكستانية خصوصا اقليم بلوشستان المضطرب أصلا، والذي يمور بمجموعات عرقية بلوشية تهدد بالانفصال، وهنا ستزداد الضربات الجوية الأميركية ويتصاعد معه الرد الطالباني على الحكومة الباكستانية من خلال العمليات الانتحارية.. والإشارات القادمة من واشنطن وكابول تؤكد أن القوات الجديدة سيتم نشرها بالكامل في ولايات مثل هلمند وقندهار وبكتيا ونورستان وكلها مجاورة لباكستان وهو ما يعزز المخاوف الباكستانية …
3. القلق الباكستاني ربما يتصاعد أكثر على شكل اتهامات غربية وأميركية ودولية في أن قادة القاعدة وطالبان لجؤوا إلى الأراضي الباكستانية وبالتالي على إسلام آباد تحمل مسؤولية في أن تكون كبش فداء لما يجري، وتخرج أميركا والتحالف الدولي من المأزق والمستنقع الأفغانيين محملين باكستان مسؤولية ملاحقة وتصفية القاعدة وطالبان، فسلة المحفزات المالية التي قدمتها إدارة أوباما لباكستان ستقابل باختراقات أميركية خطيرة تمس الأمن القومي الباكستاني أكثر وأكثر، وهو ما يخيف المسؤولين الباكستانيين ..
4. القلق الباكستاني يبرز في إمكانية أن يضر ذلك كله بإمكانية لعبها دور الوسيط بين الغرب وطالبان أفغانستان، سيما وأن باكستان لا تزال تتعامل مع طالبان أفغانستان بشكل منفصل ومختلف عن طالبان باكستان وهذا لا يخفيه القادة الباكستانيون على أساس أن طالبان أفغانستان يقاتلون في بلادهم و لا يتدخلون في الشأن الداخلي الباكستاني كما هو الحال مع طالبان باكستان، بالإضافة إلى أن المنطق يحتم على باكستان التعامل مع طالبان أفغانستان كحقيقة واقعة على حدودهم ..
5. تحديد ثمانية عشر شهرا للانسحاب الأميركي من أفغانستان ربما سيعطي دفعة معنوية قوية لمقاتلي طالبان باكستان والتحضير ربما بدعم من طالبان أفغانستان إلى القفز على السلطة في باكستان وهو ما قد يوفر أجواءً فوضوية تستغلها الولايات المتحدة الأميركية لتحقيق مآرب ومصالح استراتيجية لها في باكستان، على رأسها مخاوفها من السلاح النووي والسعي إلى استصدار قانون جولي بشأنه ..
لقد حولت الاستراتيجية الأوبامية أو المقامرة بالأصح المنطقة إلى حقل ألغام للجميع، فلا الأميركيون يعرفون تماما ماذا ينتظرهم وكيف يتعاملون مع الباكستانيين، والكل غدا في حيص بيص ، ولا أحد يعرف من حليفه ومن عدوه ؟؟ فالكل بدأ يرتب أوراقه من الآن لمرحلة ما بعد الانسحاب ، فالأميركيون بدؤوا بتحميل حامد كارزاي المسؤولية ومعه باكستان، وكأن الأميركيون لم يكونوا على علم بما يجري من فساد للحكومة الأفغانية طوال السنوات الماضية .. والسؤال الآن كيف سيتعامل ويحضر كارزاي وأعضاء حكومته لمشهد ما بعد يوليو / حزيران 2011 موعد بدء الانسحاب الأميركي، ونفس الأمر ينطبق على طالبان الذين قد يخففوا من عملياتهم بانتظار الجائزة الكبرى سقوط الحكومة الأفغانية والوصول إلى السلطة، كل ذلك يؤكد حقيقة واحدة وهي أن المقامرة الأوبامية إنما هي خلط للأوراق بشكل أقرب ما يكون إلى القمار السياسي لا أحد يعرف من سيربح ومن سيكسب ؟؟
الأميركيون يعيدون الماضي فحين انهزم جنرالات أميركا في فيتنام بدؤوا يتهمون فيتنام الشمالية من خلال كمبوديا وها هم يحضرون الاتهام لباكستان بتحميلها مسؤولية إخفاقاتهم وجعلها كبش فداء لهزيمتهم، فالحرب لا يمكن كسبها حين تكون الشعوب المحتلة ضدك فكيف إن كانت الشعوب المحتلة والمستعمرة كلاهما ضدك وهو ما عكسته استطلاعات الرأي في أوربا قبل أفغانستان ..

الأربعاء، 24 ديسمبر 2008

من يقطع خطوط الإنترنت في المنطقة العربية؟؟

نبأ : مرة جديدة نتساءل من كان وراء قطع كابلات الانترنت في البحر المتوسط مؤخرًا وفي نهايات العام 2008 بعدما تكرر الأمر الذي جرى في اوائل السنة ذاتها؟

تساؤل يبدو في ظاهر لا يحمل سوى علامة استفهام غير أن باطنه يحوي خليطًا هائلاً وربما غير متجانس من صراعات ونظريات وأحاديث اعقد من الشكل المطروح به، لا سيما أن حالة الشلل التام التي ضربت المنطقة المصابة بالعطل والتي امتدت من مصر إلى عدد من الدول العربية والآسيوية مثل باكستان وأجزاء من الهند عادت بنا إلى زمن العصر الورقي .

وليس هذا هو المهم في المشهد بقدر ما شعر الناس أنهم قد انقطعوا عن العالم برمته فيما يمكن أن يكون وعن حق تجربة حقيقية ، أو مقدمة لفكرة عزل العالم العربي عن بقية العالم حال وجود نوايا عدوانية كالحرب ، وبات من الواضح أن قطع خطوط الانترنت عن بلد ما يعني إصابته بحالة من الشلل التام ما يؤثر على كافة مقدراته سيما شبكات الاتصالات والدفاع ويعيده إلى عصور الهاتف والبرق التي تجاوزتها معطيات الواقع بمراحل بعيدة .

عمل تخريبي أم حادث عرضي؟

في أوائل آذار/مارس الماضي كان "سامي البشير المرشد " مدير مكتب تنمية الاتصالات في الاتحاد الدولي للاتصالات يصرح بأن فكرة وجود عمل تخريبي فيما جرى أمر ليس مستبعد، لا سيما أن انقطاع خطوط الاتصالات البحرية الأربعة في البحر المتوسط والخليج العربي بفوارق زمنية قريبة جدًا أمر يدعو إلى الشك والريبة.

ويرى المسؤول العربي الذي كان يتحدث على هامش افتتاح الملتقى الإقليمي للأمن ألمعلوماتي في الدوحة أن بعض الخبراء يشكك في الرواية المتناقلة بشان قطع الخط البحري عن طريق الخطأ خاصة وان هذه الخطوط تقع على أعماق بعيدة تحت البحر ولا تطالها السفن.

هذه التصريحات قد أحيت ما أشارت إليه أحدى الصحف الامريكية " أميركان كرونيكل " في أوائل شباط فبراير المنصرم من أن انقطاع الكابلات على هذا النحو إنما جاء ضمن سياقات مختلفة لتهيئة منطقة الشرق الأوسط لسلسلة من الحروب الجديدة وهو الأمر الذي تعززه تحركات المدمرة الحربية الاميركية " يو أس أي كول " إلى مياه البحر المتوسط مصحوبة بعدة قطع حربية في إشارة لما يمكن أن تشهده المنطقة عما قريب .

ولعله قبل البحث في أحاديث الحروب يلزمنا التوقف مع آراء عدد من الفنين المتخصصين واستطلاع آرائهم حول ما جرى دونما تهوين أو تهويل. في مقدمة هؤلاء يأتي القبطان تأمر صادق الخبير في "مد وصيانة الكابلات البحرية" والذي يعمل على إحدى السفن العالمية المسؤولة عن خطوط الانترنت حول العالم، وبداية يرى أن القول بأن الأحوال الجوية السيئة قد تسببت في قطع الكابلات هو كلام مغلوط وغير صحيح لان التيارات المائية في الأعماق التي توجد الكابلات فيها تكاد تكون منعدمة .

والتساؤل الفني كيف يمكن استهداف كابلين في وقت واحد خاصة وانهما يبعدان عن بعضهما 5 كيلومترات وفق معلومات مؤكدة؟

الإجابة وفقًا لما يراه القبطان المصري هي أن هذا أمر يسير للغاية إذا تم تحديد مكان الكابل، لا سيما أن هناك مراكب إمداد لديها مخاطف طويلة قد تصل إلى 300 متر ويمكن رميها وشبكها بالكابل وسحبها على المركب وقطعه وإذا كانت المسافة بينهما 5 كيلومترات فلن تستغرق العملية ربع ساعة لتصل المركب إلى الكابل الثاني وتقوم بتكرار ما فعلته مع الأول هذا إذا افترضنا وجود "مركب تدميري واحد: إن جاز التعبير وليس أكثر.

ومن التصريحات الفنية إلى الأقوال الرسمية إذ أثار وزير الاتصالات المصري الدكتور طارق كامل الكثير من الهواجس عندما أشار بدوره إلى انه لا يستبعد فرضية المؤامرة، مؤكدًا ميله إلى الاعتقاد بوجود شبهة تعمد بعد قطع الكابل الثالث بنوع خاص وقال وقتها إن الموضوع كبير وخطر وغير مسبوق .. غير أن التساؤل بشكل أكثر دقة فنية كم عدد الخطوط التي انقطعت وهل يمكن أن يكون الضرر الذي أصابها أمر من سبيل المصادفة الموضوعية أم المؤامرة التاريخية؟

أما عن الخطوط أو الكابلات فقد تجاوزت الخمسة إلى نحو ثمانية منها كابل بحنوب مرسيليا في فرنسا واثنان بالقرب من الإسكندرية وواحد بجوار دبي وأخر ناحية بندر عباس بإيران ثم كابل بقناة السويس وأخر بالقرب من بيننانع بماليزيا بالإضافة إلى أول كابل قد انقطع في الخليج العربي بتاريخ 23 يناير المنصرم والذي لم يلتفت إليه كثيرًا وقتها.

وباختصار غير مخل لا يمكن أن تكون هذه سياقات قدرية أو صدفة بل الأمر ربما كان مناورة أو تجربة غير مسبوقة تحتاج إلى كفاءات لا تتوافر إلا لدى الدول الكبرى بل والتي كانت صاحبة اختراع الانترنت عينه ومعنى هذا بوضوح أن أصابع الاتهام تشير بشكل خاص إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها التقليدية إسرائيل سيما وأن شبكات الانترنت من تل أبيب إلى بغداد لم تتأثر بنوع خاص مما يجعل من التصديق بأمر المؤامرة اقرب إلى الحقيقة منه إلى الخيال.

الأيادي الأميركية الخفية

ولأن الولايات المتحدة الأميركية بشبكاتها الخلافية وعلاقاتها المضطربة مع غالبية دول العالم قد باتت الإمبراطورية الرومانية للقرن الحادي والعشرين فقد ذهبت التحليلات أول ما ذهبت إليها، لا سيما أنها الوحيدة التي تستطيع شل شبكات الانترنت برًا وبحرًا وجوًا، بما يتوافر لها من آليات غير مسبوقة وغير معلن عنها في كثير من الأحوال.

تكتب المؤلفة الأميركية " شيري ستوناج " في كتابها "خداع الرجل الأعمى : القصة غير المروية عن تجسس الغواصات الاميركية" تقول إن البحرية الأميركية قد شكلت منذ عقود فرق غوص خاصة مزودة بأجهزة متطورة جدًا متخصصة في قطع الكابلات البحرية تعمل تلك الفرق انطلاقا من الغواصات باستخدام حجيرات هوائية متحركة تمكنها من العمل في الأعماق وتنفذ مهام التجسس البحري إما بقطع الكابلات البحرية ثم إعادة وصلها بعد تركيب معدات التجسس أو مجرد إجراء عملية القطع.

وهذا بدوره يطرح علامة استفهام بخصوص ما شهدته أروقة استخبارات واشنطن بشان الانترنت وما جرى في المنطقة فماذا عن ذلك؟

في الأسبوع الأول من شهر فبراير كانت الأحاديث والمناقشات في لجان الاستخبارات بمجلس الشيوخ والنواب تمضي على قدم وساق تجاه ما بات يعرف بإشكالية "الفضاء الافتراضي" و"الأمن الالكتروني" أما الحجة الاميركية المعتادة لإطلاق هذه الحوارات فهي قطع الطريق على شبكات الإرهاب العالميفي تسخير الانترنت كأداة لتنسيق هجومات جديد على الولايات المتحدة الاميركية.

وقد جرت في ذلك الأسبوع مساءلة رؤساء الأجهزة الاستخبارية الاميركية عن مدى جهوزيتها لمواجهة أي تهديدات الكترونية يمكن أن تشكل خطورة على القدرات الاميركية سواء العسكرية أو المدنية وبخاصة اتصالات البنية التحتية ونظم المعلومات والمراقبة الجوية وشبكات الكمبيوتر ومحتوياتها، وهذا يطرح مخاوف حقيقية وتساؤلات فعلية لا كلامية منها على سبيل المثال لا الحصر الذي يقع في دائرة المناطق الرمادية المظلمة : هل أقدمت تلك الوكالات على قطع الكابلات لتثبت للجان الاستخبارات أنها قادرة بالفعل على التحول من حالة الدفاع عن النفس إلى مرحلة المواجهة الاستباقية وفقًا للنظرية والمبدأ الذي أرسى الرئيس بوش قواعدهما منذ ولايته الأولى أم أن الأمر يتخطى حاجز التجربة والتدريب إلى حدود الواقع العملي بالفعل وبدء انطلاق عملية ما لا تزال اسرارها في الأفق الاستخباري الأميركي ؟

ربما يكون ذلك صحيحًا إلى درجة بعيدة سيما إذا أخذنا في الاعتبار الغموض الذي يلف الأمر الرئاسي الذي أصدره الرئيس بوش في أوائل يناير الماضي والذي عرف باسم " مبادرة الأمن الالكتروني " ورغم سريتها فان ما تسرب لبعض وسائل الأعلام الاميركية يشير بالفعل إلى أن واشنطن قد بدأت في تقنين المراقبة الالكترونية وتجميع وترجمة وتحليل كل المعلومات المتبادلة والكامنة في مختلف أجهزة الكمبيوتر وعبر الانترنت في مختلف أنحاء العالم بذريعة حماية سمائها وأرضها وبحرها من بيرل هاربور جديد قد تكون صينية أو روسية هذه المرة أو 11 سبتمبر بشكل أو بأخر.

وفي السياق نفسه، فإن واشنطن قد شهدت ما يشبه العودة غير المحمودة لدونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الأسبق والذي شارك في مؤتمر يثير بدوره هواجس الربط بين قطع كابلات الانترنت في الشرق الأوسط والخطط الاميركية لعسكرة العالم ، فقد شارك رامسفيلد في مؤتمر عقد تحت مسمى " الحرب والانترنت " وفيه طالب صقور المحافظين الجدد وفي مقدمتهم وعلى رأسهم رامسفيلد بان تشن الولايات المتحدة حربًا جديدة على الأفكار من خلال استخدام الانترنت، وعليه فقد طالب المحارب الذي لا يلين بإنشاء وكالة أمنية جديدة يعهد إليها بهذه الحرب العالمية ضد ما وصفه بـ "الإسلام الراديكالي ".

وعلى الرغم من التبريرات السابقة التي ترسخ احتمالات قيام أميركا بذلك الفعل المتعمد فانه للموضوعية ظهرت على السطح أصوات أخرى قد تختلف في شكل الطرح لكنها تتفق على قدرة الولايات المتحدة على المراقبة والتدخل في شؤون الانترنت على مستوى العالم بما في ذلك إحداث أعطال عن قصد لكن بطرق غير قطع الكابلات وهذا يقودنا لحديث أخر.

أميركا والانترنت ... رقابة وهجوم

في خريف العام 2005 كانت التصريحات الصادرة عن الولايات المتحدة وبخاصة من قبل مجلس الأمن القومي ومجمع الاستخبارات الاميركية الجديد تشير إلى أنها تصر على البقاء على دورها كمسيطر وحيد ومشرف وحيد على شبكة الانترنت تلك التي ابتكرتها والتي ترى انه من حقها الحفاظ عليها لحماية امن بلادها ، وفي هذا السبيل بدأت تعمل على استخدام وسائل الضغط الانترنتية بما يشبه عمليات التجسس الصريح مستخدمة الوسائل التي كانت تستخدمها الأجهزة المخابراتية الاميركية بتقنياتها التجسسية النادرة لسرقة المعلومات من الآخرين أو لفرض هيمنة القطب الأوحد عليها ، وقد زاد هذا الأمر بعد حادث 11 سبتمبر حيث يلاحظ أن الرقابة أصبحت مركزية أميركية خالصة تستخدم بوسائل كثيرة متنوعة من الاختراق إلى الهاكرز لكنها في النهاية تؤدي دورًا كبيرًا في الوصول إلى ابعد مدى في الهيمنة المعرفية في شتى أنحاء العالم سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

وعند الدكتور مصطفى عبد الغني صاحب مؤلف " الرقابة المركزية على الانترنت في الوطن العربي " أن وزارة الدفاع الامريكية قد وضعت برنامج معلومات خاص يسمح للقوات المسلحة باختراق كل قواعد البيانات للحكومة والشركات الخاصة وانه بات من المتعارف عليه أن شركة مايكروسوفت تقوم دوريًا بتسليم أجهزة أمنية أميركية معنية " الكود الخاص " بكل جهاز أو برنامج كمبيوتر تبيعه مما يسهل لهذه السلطات مراقبة كل شيء بالإضافة إلى أحاديث الرقابة الاميركية الاستخبارية على الاتصالات الدولية من خلال شبكات أيشلون والتي يجدر بنا أن نعود إليها في قصة مستقلة .

والثابت أن الولايات المتحدة تخضع المنظومة الانترنتية لمجموعة من أدوات الرقابة تضعف معها حجة الذين قالوا بأنها كانت وراء قطع خطوط الكابلات منها على سبيل المثال:

قدرتها على تدمير أي موقع معاد لها من خلال نشر الفيروسات وحجب الرسائل المهمة.
السيطرة المعلوماتية من خلال التنصت على ما يتم تداوله من بيانات عبر الشبكة العنكبوتية.
المقدرة على انتهاك خصوصية المراسلات السرية عبر اختراق أي بريد الكتروني مشكوك في صاحبه .
استحداث قوانين الحجب بما يعني مقدرة واشنطن قانونيا على إغلاق أي موقع يقصد منه الإساءة إليها.
استخدام الشبكة فائقة التطور المعروفة باسم " بروميس " والتي جاء على ذكرها المؤلف الإنجليزي توماس جوردان في كتابه "جواسيس جدعون" لاختراق شبكات المعلومات في العالم برمته وليس في المنطقة العربية فقط.
وربما يطول الحديث عن الوسائل التي تمتلكها الولايات المتحدة وهذا ما يدفع المحلل العسكري الاستراتيجي اللواء الدكتور محمود خلف للقول بان أجهزة الاستخبارات الاميركية ليست في حاجة إلى إرسال قطع بحرية عسكرية أو مدنية لقطع الكابلات البحرية ذلك لأنهم لو أرادوا إحداث خراب للشبكة سيقدرون على ذلك من أماكن تواجدهم من خلال التحكم والتوجيه السبي في " السيرفر" المتوجه إلى أي منطقة في العالم ويرى كذلك أن الشركات الخاصة المتضررة يمكنها أن تكتشف قيام الاستخبارات الاميركية بتلك الأعمال الهجومية ما يعرضها لإجراءات تقاضي أمام المحاكم ودفع تكاليف طائلة إضافة إلى تشويه سعتها ويؤكد أن واشنطن هي " أم الانترنت " ولهذا تستطيع إيقاف أعمال الشبكة برمتها من مراكزها المتقدمة في أميركا، ومعروف أنها رفضت طلبًا لدول الاتحاد الأوروبي بشان إنشاء مركز لشبكة الانترنت في أوروبا.

غير أن هذه الآراء على وجاهتها يقابلها على الجانب الأخر مزج بين حادث الانترنت وقضية المواجهة المسلحة الامريكية مع إيران من جراء برنامجها النووي فهل من علاقة بين هذه وتلك ؟

فرضية هجوم متوقع على إيران

ربما كانت الصحيفة الاميركية " أميركان كرونيكل " أول من أشارت أو ألمحت إلى وجود تلك العلاقة إذ أعربت عن اعتقادها بان قطع هذه الكابلات لم يكن مصادفة وانه كان يستهدف إيران خاصة مع تزايد حدة التوتر بين واشنطن وطهران وقد أرجعت الصحيفة ذلك إلى أن إيران هي أكثر دول المنطقة تضررًا من انقطاع الكابلات ، وان هذا الانقطاع جاء كتمهيد لضربة عسكرية ضد طهران أو بروفة لها في ظل اعتماد القوات العسكرية على الاتصالات كمحور رئيس لعملياتها .

هذا السيناريو تناولته أيضًا صحف بريطانية وأميركية بارزة رأت أن الولايات المتحدة تريد الضغط على إيران وعزلها عن العالم بسبب الاحتدادات السياسية بين البلدين ولهذا فان الحكومة الاميركية قطعت الكابلات ووضعت أجهزة تنصت واستخبارات جديدة بين أطراف الكابلات المقطوعة لرفع مستويات التنصت على المنطقة عامة وعلى إيران خاصة واتفقت مع الشركات التي تملك الكابلات على عدم الإفصاح عن سبب القطع وتقديم أي سبب مقنع ، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الامريكية طورت في سبعينات القرن الماضي غواصات بهدف التنصت على الكابلات البحرية للاتحاد السوفيتي وقطع الاتصالات ونفذت هذه العمليات الغواصتان " هاليبوت " وبارتشيه" .

وفي الحق أن المشهد لم يقتصر على نواحي المواجهة العسكرية المرتقبة مع إيران فحسب بل تجاوزها للحديث عن كونه تحذير أمريكي للدول التي ستمضي في استبدال الدولار العملة الامريكية ورمز الجبروت والسطوة الامريكية باليورو العملة الأوروبية الصاعدة بما يصيب الاقتصاد الأمريكي بأضرار بالغة بدأت بالفعل مقدماتها في الظهور على سطح الأحداث الاقتصادية الدولية وكانت إيران أيضا في مقدمة الدول المستهدفة بهذا التحذير حيث أنها كانت من المفترض أن تفتتح بورصة التداول البترولية الإيرانية باليورو في ذات الأسبوع الذي تمت فيه عملية تخريب الكابلات .

والمقطوع به أن العواصم العربية تجد نفسها إزاء تساؤل حيوي وحساس ويتماس مع أمنها القومي وهو هل ما جرى حرب أو مقدمات حرب الالكترونية شنت أو ستشن عليها في القريب العاجل ؟ الإجابة ربما تقضي منا إلقاء نظرة على الماضي الحربي للمعسكر الغربي سيما وان هناك سابقة تاريخية مماثلة لما جرى إذ كان من أوائل الخطوات التي قامت بها بريطانيا في مواجهتها لألمانيا النازية قطع كابلات الاتصالات الألمانية المغمورة تحت مياه البحار والمحيطات .
وقبل ذلك حدث أثناء الحرب العالمية الأولى أن قطع البريطانيون سلك برقيات ما وراء البحار للألمان لإجبارهم على استعمال المواصلات التي تسهل مراقبتها ، وقد كانت أحدى الرسائل التي اعترضوها وحللوها برقية عرفت لاحقا باسم " برقية زيمرمان " والتي طلبت من المكسيك الانضمام إلى ألمانيا في مهاجمة الولايات المتحدة كبديل للدعم المالي ثم لاحقا ستدعم ألمانيا المكسيك من اجل استعادة تكساس ونيومكسيكو وأريزونا ونتيجة لذلك غضب الرأي العام في الولايات المتحدة مما ساهم في قرار دخول أميركا الحرب ضد ألمانيا .

والشاهد أن العام الماضي قد جرت فيه العديد من الحوادث المشابهة بعضها أعلن عنه بالكامل والأخر بقي في طي الكتمان ولازم الأضابير الاستخبارية ومنها ما تعرض له القمر الاصطناعي المصري نيل سات من اضطرابات واختلالات نتجت عن عملية تخريب أمريكية عالية المستوى استخدمت فيها أجهزة التشويش وذلك بسبب وجود قناة " الزوراء " العراقية الداعمة للمقاومة على بث القمر المصري وبالفعل تم رفع القناة عن خدمات النيل سات بعد أن اثر التشويش على خدمة اتصالات عملاء آخرين يبثون من خلال القمر ومنهم وكالات أنباء عالمية .

ليس هذا فحسب بل إن العام الماضي كذلك قد شهد تهديدا واسع وهجوما كاسح على شبكة الأعلام الالكترونية في جمهورية " استونيا " مما اثر على شبكات الانترنت في روسيا الجارة الأقرب والمناوئ الأكبر للولايات المتحدة الامريكية اليوم وكان مدعاة لاستيائها.

ولم يقتصر الأمر على القمر المصري أو الشبكة الاستونية بل حدثت خروقات واسعة للأنظمة المعلوماتية الآلية في أدارت حكومية في بريطانيا وفرنسا وحتى داخل الولايات المتحدة الاميركية نفسها وقيل وقتها أن الصين كانت وراء الكثير منها في طريقها إلى القطبية العالمية ومواجهة النسر الأميركي المنفرد في سماوات العالم هيمنة وسيطرة .

وقبل أن نترك هذه الجزئية يبقى أمر غاية في الأهمية تجدر الإشارة إليه وهو أن " إسرائيل " وبحسب عدد وافر للمراقبين غبر بريئة بالمرة أو بالمطلق فيما جرى لا سيما أن لها دوافع دوجمائية ربما تتجاوز مثيلتها الامريكية في تصفية حساباتها مع إيران التي لا ينقطع سيل تهديدات زعيمها احمدي نجاد بإحراق إسرائيل، ذلك التعبير المزعج لإسرائيل وعليه فان هناك من يذهب إلى أن إسرائيل ضالعة بشكل أو بأخر في تلك الحرب الالكترونية ضد الدول العربية والإسلامية وان ما جرى وثيق ولصيق الصلة بوصول البوارج الامريكية للبحر المتوسط والحرب القادم ، وقد كانت حرب يوليو تموز ضد لبنان ميدانا واسعا لتفعيل كافة تجارب الحرب الالكترونية مما يعزز فرضية المؤامرة الأخيرة في عمق أعماق المياه المتوسطية.

الأمن القومي العربي وبدائل فضائية

والشاهد أن التجربة الأخيرة لا يمكن أن تقاس أضرارها بمدى الخسائر المالية وان بلغت ملايين الدولارات تلك التي أصابت العالم العربي وبعض الدول الإسلامية مثل باكستان ذلك أن الخسائر الافدح ربما تكون قد حدثت في الأيام التي جرى فيها العطل والعهدة هنا على الراوي " جوستن ريموندو " الكاتب الأمريكي من موقع " أنتي وور "، وهي خسائر لابد وان تصب في خانة المصالحة الأمنية والاستراتيجيات القومية العربية العليا سلبا، ففي مقال له يستشهد بما قاله البروفيسور في علوم الكمبيوتر بجامعة كولومبيا في نيويورك" ستيفن بلوفين " والذي يعتبر احد العقول الأمنية في ذلك المجال ويرى أن الأمر ربما يتجاوز بكثير التخطيط لتنفيذ هجوم على إيران وان التعطيلات المنسقة على ما يبدو نتجت من جهود للدخول في الكابلات أي عملية تجسس وان وجود الباخرة الاميركية جيمي كارتر في مكان مجهول في مياه البحر الأبيض المتوسط تؤكد فكرة المؤامرة لا سيما أنها تستعمل وسائلها المصممة خصيصا للنقر بمباشرة إلى الكابلات في محاولة مباشرة منها للتنصت على الدول التي تعتمد على هذه الكابلات في اتصالاتها .

والتساؤل الأخير قبل الانصراف هل استيقظت الدول العربية من سبات الاستخدام الاستهلاكي للتكنولوجيا الغربية وتنبهت إلى ضرورة وحتمية التفكير الايجابي بشان إيجاد بدائل ووضع وتنفيذ خطط عاجلة لتحقيق المزيد من الأمن القومي الالكتروني والنظر في بدائل للانترنت تعتمد على القدرات الذاتية على الأقل ضمن الأطر الوطنية ؟

هذا هو الأمر الحقيق بالتوقف أمامه والذي يقود لفكرة حتمية ارتياد الدول العربية الفضاء الخارجي وتصميم وإطلاق أقمار اصطناعية في منظومة تكفل لها الأمن القومي قدر المستطاع كما فعلت وتفعل إسرائيل مؤخرا حيث تمضي في تصميم منظومتها الخاصة للأقمار الاصطناعية بعيدا عن الحليف الأميركي تحسبًا لليوم الذي تبخل فيه واشنطن لسبب أو لأخر بمعلوماتها على تل أبيب .

والمؤكد أن الاتصال بالانترنت عبر الأقمار الاصطناعية يبتعد عن مشاكل التمديدات البرية والبحرية ولكنه مكلف وبطئ ويعتمد على حال الطقس مثل العواصف الرعدية والأمطار والثلوج وحتى البقع الشمسية بالإضافة إلى أن التنصت على المعلومات اللاسلكية ليس صعبا لمن توجد لديه المعرفة التقنية الكافية والمعدات اللازمة ،غير انه أخر الخيارات التي يمكن اللجوء إليها في حالات الطوارئ وحتى لا تحدث حالة العزلة عن العالم كما جرى مؤخرا .

ومع اتفاق خبراء الاتصالات على صعوبة اللجوء لحلول بديلة للاتصالات عبر كابلات الألياف الضوئية التي تتحمل بمفردها 95% من الاتصالات الهاتفية والانترنت تاركة لمنافسها أي الأقمار الاصطناعية 5% فقط من حجم الكعكة فقد أدركت غالبية العواصم العربية حتمية وجود مسارات بديلة بحرية سيما وان معدلات الأخطاء والأعطال فيها تقل بكثير عن نسبتها في الأقمار الاصطناعية وقد ظهرت على السطح أفكار ايجابية تولدت عن الأزمة مثل قيام شركات الانترنت المصرية والعربية بالتعاون فيما بينها لإنشاء سنترالات إقليمية تربطها ببعضها الأمر الذي سيتيح لأي شركة تحميل جزء من اتصالاتها على شبكات الشركات الأخرى حال حدوث أي أزمات .

وعودة إلى حديث "جوستن ريموند" وفيه يكاد المرء أن يلامس شبه الحقيقة المؤكدة لما جرى، يقول الرجل " تدعي الحكومة الامريكية الحق بالتجسس على الأمريكيين في بلدهم وكذلك عندما يتصلون بأفراد ما وراء البحار ،هم لا يخفون هذا لكنهم يعلنونه من أعلى السقوف، هل ثمة من يشك في أنهم قادرون على الاستيلاء على شبكة كابلات انترنت العالم لكي يستعملوها لأغراضهم الخاصة ؟ ليس من الضروري أن يتشرب المرء " نظرية المؤامرة " لاعتبار ذلك جديرا بالثقة... جرعة من الواقعية تفي بالغرض ".

الأحد، 2 نوفمبر 2008

كروغمان: عندما يستسلم المستهلكون




ما يحتاجه الاقتصاد الأميركي الآن هو شيء يحل محل التراجع الاستهلاكي (الفرنسية)

كتب بول كروغمان, الحاصل على جائزة نوبل هذا العام في الاقتصاد مقالا بصحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان: "عندما يستسلم المستهلكون" حاول فيه إبراز مغزى تراجع إنفاق المستهلك الأميركي وتداعيات ذلك على الاقتصاد وكيفية التعويض عنه.

فقال:

إن استسلام المستهلكين الذي طالما مثل هاجسا غدا الآن حقيقة, إذ أظهر تقرير الناتج المحلي الإجمالي الأميركي الذي صدر يوم الخميس أن الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي انخفض بمعدل سنوي قدره 3.1% في الربع الثالث من هذا العام, كما تراجع الإنفاق الحقيقي على السلع المعمرة كالسيارات وأجهزة التلفزيون بمعدل 14% سنويا.

ولإعطاء هذه الأرقام حق قدرها, على المرء أن يعلم أن المستهلكين الأميركيين لم يخفضوا تقريبا- إنفاقهم قط بل ظل طلبهم في ازدياد حتى أثناء ركود عام 2001, وآخر مرة انخفض فيها الاستهلاك, وإن لم يكن إلا لربع عام واحد, كان عام 1991، ولم يحدث انخفاض بهذه الحدة منذ عام 1980 عندما عانى الاقتصاد الأميركي من ركود حاد صاحبه تضخم من رقمين.

زد على ذلك أن هذه الأرقام هي عن الربع الثالث من العام أي عن أشهر يوليو/تموز وأغسطس/آب وسبتمبر/أيلول, إذا هي بيانات تخبرنا عما حدث قبل انهيار الثقة إثر انهيار ليمان براذرز أواسط شهر سبتمبر/أيلول, بل إنها تطلعنا على فترة سبقت تراجع داو جونز إلى أقل من ألف نقطة, ناهيك عن أنها لا تعكس الآثار الكاملة للانخفاض الحاد المستمر في توفر الائتمان الاستهلاكي.

يبدو إذا أننا أمام بداية تغير كبير جدا في سلوك المستهلك, ولا يمكن لهذا التغير أن يحصل في وقت أسوأ من الوقت الحاضر.

صحيح أن المستهلك الأميركي ظل لزمن طويل يعيش فوق طاقته, وفي أواسط ثمانينيات القرن الماضي, ادخر الأميركيون 10% من دخلهم, لكن مدخراتهم في الفترات اللاحقة ظلت عموما أقل من 2% -بل كانت أحيانا سلبية- وزادت ديون المستهلكين لتصل 98% من الناتج المحلي الإجمالي, أي ضعف مستواه قبل ربع قرن من الآن.

بعض الاقتصاديين قالوا لنا بأن لا داعي للقلق لأن الأميركيين إنما يوازنون بين تزايد ديونهم وتنامي قيمة عقاراتهم وحقائب أسهمهم, وبشكل أو بآخر لم نعد نسمع في الفترة القليلة الأخيرة كثيرا من مثل هذه الحجج.

وعليه فإن المستهلكين, عاجلا أو آجلا, سيجدون أنفسهم مرغمين على شد أحزمتهم, غير أن توقيت "الفترة العصيبة" الحالية مدعاة للأسف البالغ, مما يجعل المرء يستهوي ترديد صدى التماس القديس أوغيستين "هب لي العفة وضبط النفس, لكن ليس الآن".

فالمستهلكون قلصوا إنفاقهم بنفس القدر الذي هوى به الاقتصاد الأميركي في فخ السيولة, إنها وضعية فقد فيها الاحتياطي الفدرالي قبضته على الاقتصاد.

وجزء من خلفية الموضوع هو كالتالي: إن إحدى النقاط الهامة لهذا الفصل هي -إن كنت مدرسا لمقدمات الاقتصاد الكلي- عندما تحاول تفسير كيف أن الفضيلة الفردية قد تصبح رذيلة جمعية, وكيف أن محاولات المستهلكين فعل الشيء الصحيح بادخار المزيد قد يترك الجميع في وضع أسوأ.

والمقصد هنا هو أنه إن قلص المستهلكون إنفاقهم, ولم يحل أي شيء آخر بدل هذا الإنفاق, فإن الاقتصاد سينزلق باتجاه الركود, مقلصا دخل كل أحد.

والواقع أن دخل المستهلكين ربما ينخفض إلى أقل من إنفاقهم, بحيث تعطي محاولاتهم ادخار المزيد نتائج عكسية, وهو احتمال يعرف بـ"مفارقة الادخار".

لكن عند هذا الحد يبادر المدرس لتفسير كيف أن الفضيلة ليست في الواقع رذيلة: فعمليا, لو قلص المستهلكون إنفاقهم, يتوقع أن يتدخل الاحتياطي الفدرالي عبر خفض سعر الفائدة, وهو ما من شأنه مساعدة الاقتصاد في تفادي الركود وما سيؤدي إلى زيادة في الاستثمار, إذ إن الفضيلة هي في النهاية فضيلة اللهم إلا إذا فشل الاحتياطي لسبب أو لآخر في تعويض نقص الإنفاق الاستهلاكي.

أقسم أنكم تخمنون الآن ما هو قادم.

فالمسلم به الآن هو أننا في فخ سيولة: الاحتياطي فقد جل ما لديه من قدرة على السحب, صحيح أن بن برناكي لم يخفض بعد نسبة الفائدة لحد الصفر, كما فعل اليابانيون في تسعينيات القرن الماضي, لكن من الصعب التسليم بأن خفض الاحتياطي الفدرالي معدل الفائدة من 1% إلى لا شيء سيكون له تأثير إيجابي ذو شأن على الاقتصاد, خاصة أن الأزمة المالية جعلت سياسة الاحتياطي الفدرالي -بشكل كبير- غير ذات أهمية لجل القطاع الخاص: فالفدرالي دأب بشكل مستمر على تخفيض معدل الفائدة, ومع ذلك لا تزال فوائد الرهون العقارية وفوائد القروض التي تدفعها معظم المؤسسات التجارية أعلى مما كانت تدفعه بداية هذا العام.

وعليه فإن استسلام المستهلك الأميركي يأتي في وقت سيء للغاية لكن لا فائدة في النياحة وشق الجيوب, فما نحتاجه هو سياسة نرد بها (على هذا التحدي).

فجهود الإنقاذ المالي التي تطبق حاليا, حتى لو نجحت, فإنها لن تجدي إلا في التخفيف من حدة المشكلة, فربما تمكن بعض المستهلكين من الاحتفاظ ببطاقاتهم الائتمانية, لكن كما رأينا, فإن غالبية الأميركيين كانوا قد أفرطوا في استخدامها حتى قبل أن تبدأ المصارف بقطع الصلة بهم.

كلا إن ما يحتاجه الاقتصاد الآن هو شيء يحل محل التراجع الاستهلاكي, وهذا يعني حوافز مالية كبيرة, وهذه المرة يجب أن تكون الحوافز في صورة إنفاق حكومي حقيقي بدلا من خصم شيكات لا يتوقع أن المستهلكين سينفقونها.

فلنأمل إذا أن يبدأ الكونغرس في العمل على تخصيص رزمة مالية لإنقاذ الاقتصاد فور انتهاء الانتخابات, ولنأمل أيضا أن لا تقف البطة العرجاء, إدارة بوش, حجرة عثرة في وجه ذلك

الثلاثاء، 14 أكتوبر 2008

آثار الأزمة المالية العالمية في الاقتصاد السعودي





د. خالد عبد الرحمن البسام - أستاذ مشارك في قسم الاقتصاد ـ جامعة الملك عبد العزيز -مستشار 14/10/1429هـ

من المؤكد أن تؤثر الأزمة المالية العالمية في الاقتصاد العالمي برمته، فلم يعد هناك أي اقتصاد في منأى عن تأثير هذه الأزمة سواء أكان هذا التأثير مباشرا أو غير مباشر، يتوقف تأثير هذه الأزمة أو غيرها من الأزمات المالية أو الاقتصادية العالمية في أي اقتصاد على درجة انفتاح هذا الاقتصاد على الاقتصاد العالمي ومدى اندماجه فيه، وكذلك على الإجراءات والاحترازات التي تتخذها الدولة لتفادي تأثير هذه الأزمات أو على الأقل الحد من تأثيرها في اقتصادها.
يتمتع الاقتصاد السعودي بدرجة عالية من الانفتاح على الاقتصاد العالمي، حيث لا توجد قيود تذكر على حركة دخول السلع ورؤوس الأموال وخروجها من المملكة وإليها. كما أنه لا توجد قيود على المعاملات في سوق الصرف الأجنبي وتحويل العملات. ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن نظام سعر صرف الريال يقوم على تثبيت شبه مطلق للريال بالنسبة للدولار، لذلك فإن هناك ارتباط قوي بين سعر الفائدة على الدولار وسعر الفائدة على الريال. كما أن اتباع نظام سعر الصرف الثابت في المملكة يترتب عليه أن ارتفاع سعر صرف الدولار وانخفاضه تجاه العملات الرئيسية يؤدي إلى ارتفاع سعر صرف الريال وانخفاضه في الاتجاه نفسه بالنسبة لهذه العملات. وبسبب الانخفاض المتواصل في سعر صرف الدولار وانخفاضه تجاه العملات الرئيسية منذ بداية عام 2001، شهد سعر صرف الريال انخفاضا متواصلا تجاه هذه العملات (وهي في الغالب عملات الشركاء التجاريين للمملكة)، الأمر الذي أسهم في خلق ضغوط تضخمية في المملكة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية زاد من انفتاح الاقتصاد السعودي، حيث أصبحت معظم أسواق وقطاعات الاقتصاد مفتوحة أمام المنافسة (الداخلية والخارجية) والاستثمار الأجنبي المباشر.
وباختصار يمكن القول إنه نتيجة لما يتمتع به الاقتصاد السعودي من درجة عالية من الانفتاح الاقتصادي فإن هناك الكثير من العوامل الخارجية النقدية والمالية مثل أسعار الفائدة الأجنبية وخاصة سعر الفائدة على الدولار، وتقلبات أسعار صرف العملات الرئيسية وخاصة تقلبات سعر صرف الدولار، والتضخم العالمي وأسعار البترول تؤثر في النشاط الاقتصادي والأسواق المالية والمستوى العام للأسعار في المملكة، وفي ضوء ما تقدم أعلاه فإنه لا بد من أن يكون لهذه الأزمة تأثير في الاقتصاد السعودي.

هل للأزمة تأثير في البنوك السعودية؟
قبل البدء بإلقاء الضوء على تأثير هذه الأزمة في الاقتصاد السعودي يجب الإشارة هنا إلى أنه في الآونة الأخيرة كثرة الإشاعات عن التأثير السلبي والقوي لهذه في البنوك السعودية إلى الحد الذي اعتقد فيه الكثير أن هذه البنوك ستواجه شحا في السيولة مما يجعلها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها. يمكن القول بكل ثقة إن هذه الإشاعات عارية من الصحة وبعيدة كل البعد عن الواقع الذي تعمل فيه البنوك السعودية.
إن القطاع البنكي السعودي يتمتع بدرجة عالية من السيولة، وهذا ما تؤكده معايير السيولة للبنوك السعودية، الأمر الذي يجعلها من بين أكثر البنوك في العالم تمتعاً بمستوى عال من السيولة. ومن المؤشرات التي تؤكد أن البنوك السعودية لا تعاني شحا في السيولة إنما العكس وفرة في السيولة، هو التوسع الكبير الذي تشهده البنوك السعودية في منح القروض، والنمو المتسارع في عرض النقود الذي يتكون بشكل رئيسي من الودائع لدى البنوك، إضافة إلى تنامي موجودات البنوك السعودية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي.
وللحد من توسع البنوك السعودية في منح القروض (التوسع في الائتمان)، سعت مؤسسة النقد أخيرا إلى امتصاص جزء من السيولة لدى البنوك السعودية للتخفيف من الضغوط التضخمية في الاقتصاد السعودي، حيث ارتفع إصدار الحكومة السعودية من سندات الخزانة بأكثر من 340 في المائة منذ كانون الأول (ديسمبر)2007م.
أما الأمر الآخر الذي يؤكد أن ليس للأزمة الحالية تأثير مباشر في القطاع المصرفي السعودي، وإنما تتمتع بوضع سليم، هو أن نسبة الموجودات الأجنبية إلى إجمالي الموجودات للبنوك السعودية مجتمعة بلغت ما يقارب 12 في المائة في تموز (يوليو) 2008م، كما أن نسبة استثمارات البنوك السعودية في الخارج إلى إجمالي موجوداتها المحلية بلغت 6 في المائة في تموز (يوليو) 2008م . هذا يؤكد إلى أن معظم الأنشطة المالية والاستثمارية للبنوك السعودية توجه إلى داخل المملكة وذلك لمواكبة النمو المتسارع للأنشطة الاقتصادية في الاقتصاد السعودي منذ بداية العقد الحالي.
كما يمكن القول إن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها مؤسسة النقد لحماية النظام المصرفي السعودي والمحافظة على مكانته التي منها الحد من الإقراض العشوائي (عدم التوسع العشوائي في الائتمان) وبعض الضوابط الأخرى لها أثر جيد في وقاية القطاع المصرفي السعودي من الصدمات وتحقيق الاستقرار المالي والمحافظة على توازن السيولة في هذا القطاع . هذا ما تؤكده المكانة المالية وكفاءة رأس المال التي لم تتعرض إلى آثار سلبية من جراء هذه الأزمة.

ما تأثير الأزمة الحالية على الاقتصاد الحقيقي للمملكة؟
يؤكد الاقتصاديون والمحللون أن هناك شواهد لركود اقتصاد عالمي من جراء هذه الأزمة، هذا الركود بدأنا نشهد ملامحه في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. إن ركود الاقتصاد العالمي سيؤثر سلباً في الاقتصاد السعودي من خلال عدة قنوات أهمها أن الركود العالمي سينعكس سلباً على السوق البترولية، مما يؤدي إلى انخفاض الطلب على البترول وأسعاره . وهذا سيؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد السعودي، ذلك لأن قطاع البترول يعد المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في المملكة، كما يترتب على ذلك انخفاض الإيرادات البترولية للمملكة التي تشكل نسبة تقارب 89 في المائة من إجمالي الإيرادات الحكومية، مما قد يؤدي إلى انخفاض الإنفاق الحكومي.
إن الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية الذي بدأنا نشهد ملامحه مصحوبا بانخفاض في سعر الفائدة على الدولار وعجز متفاقم في الميزان التجاري الأمريكي سيؤدي ذلك حتماً إلى انخفاض سعر صرف الدولار تجاه معظم العملات الرئيسية، أو على الأقل استمرار بقائه عند مستويات متدنية لمدة طويلة، الأمر الذي سينعكس سلباً على سعر صرف الريال تجاه العملات الرئيسية (الذين يمثلون الشركاء التجاريين للمملكة) الأمر الذي قد يسهم في استمرار الضغوط التضخمية في الاقتصاد السعودي.
والجدير بالذكر أن انخفاض سعر صرف الريال تجاه معظم عملات الشركاء التجاريين للمملكة يعد من العوامل الخارجية الرئيسية لتفاقم الضغوط التضخمية في المملكة، حيث يسهم هذا العامل الخارجي بنسبة تقارب 35 في المائة في خلق الضغوط التضخمية في المملكة.
إن ركود الاقتصاد العالمي الذي بدأنا نشهد ملامحه سيؤدي إلى انخفاض الطلب العالمي، الأمر الذي سيؤثر سلباً في نمو الصادرات غير البترولية للمملكة وعلى رأسها الصادرات من المنتجات البتروكيماوية، بعد أن شهدت هذه الصادرات غير البترولية نموا متسارعا منذ بداية العقد الحالي. هذا الوضع قد ينعكس سلباً على أرباح الكثير من الشركات التي تعتمد على تصدير معظم منتجاتها أو نسبة من منتجاتها، وأخيراً إن ركود الاقتصاد العالمي قد يؤدي إلى الحد من تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة.
وباختصار يمكن القول إن الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالاقتصاد العالمي قد يكون لها تأثيرات غير مباشرة في الاقتصاد السعودي، أهمها حدوث تباطؤ في نمو الاقتصاد السعودي وتراجع في الصادرات السعودية (البترولية وغير البترولية) وانخفاض في تدفق الاستثمار الأجنبي للمملكة، إضافة إلى بقاء سعر صرف الريال منخفضا تجاه معظم عملات الشركاء التجاريين للمملكة.

الاثنين، 13 أكتوبر 2008

ما نوع أمريكا التي سيراها العالم بعد الأزمة؟











جورجن مولر - زميل بحث رئيسي في معهد جنوب اَسيا 13/10/1429هـ
تواصل هيئة المحلفين تلمس الطريق في الظلام، تتساءل عن نوع أمريكا التي سيراها العالم بعد أن تتلاشى الأزمة المالية العالمية، ويرى بعض المراقبين أن أمريكا قوية بشكل أساسي، واقتصادها النشيط تقليدياً سيصنع العجائب مرة أخرى لإعادة البلاد إلى مسارها.
ويرى آخرون أوجه الشبه مع أزمة عام 1929 ويشعرون بالارتياح من حقيقة أن أمريكا خرجت أقوى بعد الأزمة لتبرز كقوة عالمية، لكن آخرين يرون أن على أمريكا أن تصغي أكثر لسائر بقية بلدان العالم، وأنها غير قادرة على اختيار أصدقائها وأعدائها بحرية كما كان حالها من قبل.
والأزمة ما زالت تتحرك بكامل زخمها، والتطورات الجديدة المذهلة قد تغير الصورة بشكل أكبر، لكن من غير المحتمل أن تبقى أمريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية بشهامتها ونزعتها للخير، مستعدة وقادرة وقوية بشكل كاف لتنحّي مصالحها الخاصة بها من أجل مساعدة الدول الأخرى والنتيجة المرجحة أكثر هي أمريكا أكثر انطواء على نفسها، تهتم بمصالحها.
وهناك أربعة أسباب لهذا التوقع، وأولها أن الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) هز تصور المناعة الأمريكية ومع أن الحروب اللاحقة ضد الإرهابيين في أفغانستان والعراق ربما تكون عززت الوطن الأمريكي، فإن ذلك لم يكن سوى أمر مؤقت، ورغم الحشد الهائل للموارد، فإن أمريكا ما زالت متورطة في هذه البلدين، الأمر الذي يذكر العالم بحدود القوة الأمريكية.
وسياسة تشجيع الديمقراطية بصورة تتماشى مع المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية منذ أيام وودرو ويلسون لم تؤد بالضرورة إلى إعلاء شأن أمريكا لتحتل وضعاً جاذباً، كنموذج لبقية بلدان العالم، فالأمريكيون مرتبكون ومحتارون من ردة فعل العالم السلبية إلى حد كبير، ولا سيما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) لهذه النزعة الخيرية الأمريكية الجلية، ومع مرور الوقت، فإن مواقف الأمريكيين العاديين قد تتغير ويمكن لهم أن يروا العالم الخارجي
كتهديد محتمل لرفاههم الاقتصادي، وهذا توقع كان واضحاً بهجرة كثير من الوظائف إلى الهند والصين.
والسبب الثاني أن أمريكا اعتزت بنظامها الاقتصادي ورأت الإدارة المالية الأمريكية وريادة المشاريع مساهمة مهمة في تطوير العالم، ومعظم هذه الأساسيات ذاتها ذهبت الآن أدراج الرياح فلم ينهر النظام السياسي فعلياً فقط فكثير من مديري هذا النظام خرجوا ملوثين، وظهروا حافلين بالعيوب، أدبياً وأخلاقياً، حتى إن لم يكونوا اخترقوا القانون.
والاستجواب الشديد في الكابيتول هيل للرئيس السابق لبنك ليمان براذرز، ريتشارد فولد، كشف فداحة الخيانة التي شعر بها الأمريكيون العاديون. فقد كان هو وآخرون من أمثاله أيقونات، وهم الآن يعد أكثر بقليل من أشخاص طفيليين وضارين.
وبعد أن اؤتمنوا على الحلم الأمريكي، فشلوا فشلاً ذريعاً، وأساؤوا للثقة التي منحت لهم، أضف عدم الثقة في النموذج الأمريكي إلى ما أعقب الهجمات الإرهابية وسياسة خارجية أمريكية متعثرة إلى حد كبير والصورة التي تظهر وهي صورة افتقار أمريكي للإيمان بالنفس والكبرياء.
ثالثاً: في غضون ستة إلى اثني عشر شهراً، ستشهد المشاريع الأمريكية مشكلات سيولة، فإدارتها جعلت خطط الاستثمار التي تتوقع نمواً بين 2 إلى 3 في المائة، تستمر، ولا يمكن لأحد أن يلومها، حيث بدت قبل ضربة الأزمة المالية خططاً معقولة، والمشكلة أن العائدات والأرباح ستنحدر مع التباطؤ الاقتصادي والركود المحتمل، الأمر الذي يؤدي إلى عائدات أقل ونفقات عالية.
وفي الظروف العادية لن يكون هذا مشكلة لأن كثيراً من المشاريع مشاريع سليمة، وستتدخل البنوك لتجسير فجوة السيولة، لكن القصة الآن قصة أخرى، فالبنوك لا تملك أية أموال لإقراضها، وما تملكه منها سيستخدم في ترسيخ نتائجها النهائية، وتلقي بكثير من المشاريع الأمريكية التي تحتاج إلى سيولة إلى الذئاب، وقد ينجح الكثير منها، لكن بعضها لا ينجح، والشيء المخيف أن كثيراً من التي تفشل ستكون شركات مستقرة، وسيتم طرح السؤال مرة أخرى: ما الذي جانب الصواب في النموذج الأمريكي؟
رابعاً: إن التموضع العسكري في كل أرجاء العالم يكلف كثيراً من الأموال، ومثال ذلك، فإن طبقة جيرالد فورد الجديدة من حاملات الطائرات تقدر تكلفتها بنحو 11 مليار دولار للسفينة الواحدة، بما فيها تكاليف البحث والتطوير، ويحتاج سلاح البحرية الأمريكي إلى نحو 11 حاملة طائرات للحفاظ على وجود عالمي، وعلى نحو مستقل، فإن بعض أحدث السفن الحربية التي ستشكل المجموعة المرافقة لحاملة الطائرات قد تكلف ما يصل إلى خمسة مليارات دولار، ومبلغ الديون الذي يتوجب على أمريكا أن تسدده خلال العقود القليلة القادمة سيكون مبلغاً ضخماً، إضافة إلى مشتريات عسكرية أخرى في أجنحة في سلاح الجو الأمريكي مثل F-22 Raptors و Joint Strike Fighter.
وستهبط العائدات الضريبية مع اتجاهات النمو المستقبلي الأدنى بسبب الإحصائيات السكانية السلبية – أضف إلى نفقات وزارة الخزينة لإنقاذ المؤسسات المالية في هذه السنة التي يتوجب تسديدها أيضا. وإذا أخذت كل هذه الأمور معاً فإن شكوكاً بارزة حول قدرة أمريكا ورغبتها في دفع الأموال ثمناً لمثل هذه المعدات العسكرية، تبدو مثيرة للشؤم.
وسيكون هنالك تنافر في الضجة التي تطالب بتخفيض التكاليف، التي لا يمكن أن تتحقق إلا بإعادة ترتيب الأولويات للعمليات العسكرية الأمريكية في أرجاء العالم، وربما يكون الجواب تركيز القوات في الأماكن التي يحكم على أن المصالح الأمريكية الحيوية في خطر فيها، وتقليص الأعداد أو الانسحاب من المناطق التي يكون دور أمريكا فيها للحفاظ على التوازن والاستقرار.
ولا يمكن للمرء أن يعرف كيف ستبدو الصورة الجيوسياسية حين تهدأ الأمور ويظهر حدود توازن قوي جديد. وأمريكا لن تختفي بجرة قلم، وعلى مدى عدة عقود قادمة ستظل أقوى قوة، سياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً، لكن القوة العسكرية ستظل نسبياً في حالة تراجع لا جدل فيه.
وفي الوقت الحالي، وتحت السطح، يسود التشكك حول مدى بقاء السياسيين والشعب الأمريكي واثقين في قدرتهم على القيادة وتحمل الأعباء الدولية وإن لزم نشر القوة، وقد يتم اللجوء إلى قوة صاعدة مثل الصين والهند وإلى قوة "قديمة" مثل أوروبا للمشاركة في عبء القيادة، لكن هل هذه القوى مستعدة وراغبة في ذلك؟
وقد ينزلق العالم إلى ارتباك عالمي كوضع قائم حاسم، وحتى نقاد أمريكا قد يتساءلون عندها فيما إذا كان ذلك هو وضع الأمور التي تم السعي إليها.
في خطاب تنصيبه يوم 20 كانون الثاني (يناير) 1960 قال الرئيس جون كينيدي: "لتعرف كل أمة، سواء أكانت تتمنى الخبر أو الشر، أننا سندفع أي ثمن ونتحمل أي عبء ونواجه أي صعوبة وندعم أي صديق ونتصدى لأي عدو، لضمان بقاء الحرية ونجاحها".

ومن غير المحتمل أن تجيء مثل هذه الكلمات من الرئيس الأمريكي المقبل حين يلقى خطاب تنصيبه بعد شهرين من الآن.

إنه الركود الاقتصادي القادم










د. عبد الرحمن محمد السلطان - أكاديمي وكاتب أقتصادي 13/10/1429هـ
alsultan11@gmail.com

ظهرت أزمة الرهن العقاري على السطح في أيلول (سبتمبر) 2007، إلا أن الإدارة الأمريكية تأخرت كثيراً في إدراك حجم الكارثة القادمة والتهديد الخطير الذي تمثله هذه الأزمة لمؤسساتها المالية ونظامها المالي، رغم وجود مؤشرات قوية على أن عدداً من مؤسساتها المالية على وشك الانهيار بسبب انكشافها على القروض العقارية المتعثرة، كان من أبرزها الصعوبات المالية التي واجهها بنك نورثن روك خامس أكبر المصارف البريطانية في قطاع الرهن العقاري في العام الماضي الذي اضطر الحكومة البريطانية إلى تأميمه في شباط (فبراير) من هذا العام، وكذلك قيام بنك جي بي مورجان بالاستحواذ على بنك بير ستيرنز في آذار (مارس) الماضي بعد أن أصبح قاب قوسين أو أدنى من الإفلاس.
الإدارة الأمريكية لم تتعامل بجدية مع هذه الأزمة إلا بعد إعلان بنك ليمان براذرز إفلاسه في السادس عشر من أيلول (سبتمبر)، أي قبل أقل من شهر من الآن، حيث أدركت أنه يفصلها ساعات فقط عن تهاوي عدد آخر من المؤسسات المالية الأمريكية الكبرى، ما جعل الإدارة الأمريكية تتدخل لإنقاذ تلك المؤسسات بشكل مباشر سريع من خلال توفير سيولة ضخمة لها، والسعي على نحو عاجل للحصول على موافقة الكونجرس على خطة إنقاذ شاملة قدرت تكلفتها الأولية بنحو 700 مليار دولار. هذا التدخل جاء متأخر جداً، فقد تحولت هذه الأزمة من مجرد كونها أزمة مالية تهدد عددا من المؤسسات المالية بالإفلاس إلى أزمة ائتمانية شاملة تواجه جميع المؤسسات المالية في الولايات المتحدة، بعد توقف البنوك عن الإقراض بما في ذلك حتى إقراض البنوك بعضها بعضا. ما يعني تجفيف مصادر الائتمان للمؤسسات والأفراد في الاقتصاد الأمريكي بغض النظر عن درجة الملاءة التي يتمتع بها طالب الائتمان، والذي بلغ حدا خطيراً وجدت معه حكومة إحدى أغنى الولايات الأمريكية وهي ولاية كاليفورنيا أن لا أحد مستعد لإقراضها.
خطورة تحول الأزمة من مجرد أزمة مالية تهدد عددا من المؤسسات المالية بالإفلاس إلى أزمة ائتمانية تجفف مصادر التمويل تأتي من كون دورة النشاط الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة تبدأ من الاقتراض, فهو المحرك الأساس له، فالمستثمر في حاجة إلى التمويل لتنفيذ مشاريعه، والمؤسسات تعتمد على الاقتراض لمواجهة مصروفاتها اليومية، والمستهلكون يمولون معظم مشترياتهم من السلع المعمرة والكبيرة معتمدين على الاقتراض، وتوقف كل ذلك يعني تهديد قطاعات الاقتصاد الحقيقي كالاستثمار والاستهلاك والتوظيف بموجة ركود شاملة، فالائتمان يمثل الوقود الذي يزود عجلة النشاط الاقتصادي بالطاقة اللازمة في الاقتصادات المتقدمة وانحساره يعني تباطؤ العجلة التي تدير تلك الاقتصادات وتدخلها في مرحلة ركود.
هذه النتيجة الحتمية المترتبة على هذه الأزمة الائتمانية هو ما يفسر موجة التراجع الحاد في أسواق المال العالمية، فأسعار الشركات في أسواق المال لا تعكس ربحيتها وأداءها في الفترة الماضية أو حتى الحالية، وإنما تعكس توقعات المستثمرين لأدائها مستقبلا. لذا ليس من المستغرب أن تتراجع الأسواق المالية في دول شرق آسيا ومنطقة الخليج رغم أن مؤسساتها المالية قد تكون في وضع جيد وغير منكشفة على أزمة الرهن العقاري الأمريكية. فتحول أزمة الرهن العقاري إلى أزمة ائتمانية، وما يترتب على ذلك من دخول الاقتصاد الأمريكي ومن ورائه الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود اقتصادي، يعني أن أداء الشركات في دول الخليج ودول شرق آسيا ستتأثر سلبا، باعتبار اعتماد اقتصاداتها على استمرارية وقوة الطلب على صادراتها، وهو أمر متعثر في ظل حالة الركود الذي ستعانيها الدول المتأثرة بشكل مباشر بأزمة الرهن العقاري، بالتالي فإن اقتصادات الخليج وشرق آسيا ستعاني هي الأخرى ركودا اقتصاديا يؤثر سلباً في أداء شركاتها، حتى لو افترضنا أنها غير متعرضة لأزمة الرهن العقاري. فسهم شركة تويوتا مثلا من أكثر الأسهم المدرجة في مؤشر ناسداك الياباني تراجعاً لا لأنها شركة مهددة بالإفلاس بسبب أزمة الرهن العقاري، وإنما لكون السوق الأمريكية هي أكبر سوق لمنتجاتها، والمستثمرون يتوقعون تراجع الطلب فيها بشكل حاد. ودول الخليج تعتمد اقتصاداتها على قوة سوق نفط العالمية، وانكماش الاقتصاد العالمي سيعني دون شك فقد هذه السوق قوة الدافع التي أسهمت في ارتفاع الأسعار خلال السنوات الخمس الماضية، ما يعني تراجع الإيرادات النفطية ومن ثم الإنفاق الحكومي محرك النشاط الاقتصادي في هذه البلدان، لذا يجب عدم الاستهانة أو التقليل من أهمية تأثير هذه الأزمة فينا, فمن المؤكد أنها ستكون كبيرة، حتى لو افترضنا أن مؤسساتنا المالية غير متعرضة لهذه الأزمة بشكل مباشر.

خفض سعر الفائدة الأمريكية.. مجبر أخوك لا بطل!!









د. عبد العزيز بن حمد القاعد - كلية الملك عبد العزيز الحربية 13/10/1429هـ
ibngaeed@hotmail.com

كما كان متوقعا، قام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بخفض سعر الفائدة بنصف نقطة مئوية مدفوعاً بتبعات أزمة الرهن العقاري، وما قد ينتج عنها من بدايات لدخول الاقتصاد الأمريكي مرحلة الكساد، إن لم يكن قد دخلها بالفعل. تبعه في هذا الخفض الكثير من البنوك المركزية الأوروبية والآسيوية وبعض البنوك المركزية الخليجية. هذه الخطوة من قبل الاحتياطي الفيدرالي تنم عن ثقة وقدرة على السيطرة على التضخم ورغبةً منه في رفع مستوى العمالة والتوظيف في الاقتصاد الأمريكي بعد الأزمة الأخيرة، والعمل على علاج العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي، الذي بلغ مستويات قياسية لم يبلغها من قبل.
السياسة النقدية بمعناها الواسع هي السياسة الموجهة للسيطرة على المعروض النقدي والتي تشمل كل المعروض من النقود سواء كانت M1 أو M2 أو M3. لأن مجموع النقود المتوافرة للإنفاق من قبل الأفراد أو قطاع الأعمال ستؤثر في الأسعار، معدل الفائدة، سعر الصرف الأجنبي، ومستوى الدخل في الاقتصاد الوطني. لذا فإن السيطرة على المعروض النقدي ستعطي البنك المركزي القدرة على التأثير الإيجابي في المتغيرات الاقتصادية الكلية. وبناء على هذا فإن السياسة النقدية هي التوأم للسياسة المالية للسيطرة على الاقتصاد الوطني والتأثير في.
حقيقة الأمر البنوك المركزية لا تسيطر على الناتج الوطني الإجمالي أو حتى مستويات الأسعار، بل تُسيطر على المعروض من النقود والتي بدورها تؤثر في الناتج الوطني الإجمالي، لذا فإن النمو في السيولة يعد هدفا وسطيا وهو بدوره يساعد البنوك المركزية على تحقيق الأهداف النهائية المرسومة (النمو الاقتصادي والأسعار المستقرة)، وبافتراض أن العلاقة مستقرة بين التغير في المعروض النقدي وبين الدخل والأسعار (تُسمى معادلة التبادل التي تربط بين كمية النقود والناتج المحلي الإجمالي الاسمي)، أحيانا يطلق عليها نظرية كمية النقود، ومع افتراض ثبات سرعة دوران النقود فالتغير في كمية النقود تؤدي إلى التغير في الناتج المحلي الاسمي.
من أدوات السياسة النقدية التي نحن بصددها معدل أو سعر الخصم وهو المعدل الذي تقترض من خلاله البنوك التجارية من البنوك المركزية، فتحرك مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة The discount rate هو في حقيقة الأمر خفض لمعدل خصم الأوراق المالية، حيث إن قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض معدل الخصم هو حافز لسرعة خصم الأوراق المالية وبالتالي زيادة السيولة ومن ثم خفض سعر الفائدة، حيث إن العلاقة عكسية بين عرض النقود ومعدل الفائدة. فعندما يرفع البنك المركزي معدل الخصم للبنوك التجارية فهو في الحقيقة يرفع تكلفة الاقتراض على البنوك التجارية منه ما يؤدي إلى تخفيض المبالغ المُقترضة وهذا يضعف قدرة البنوك على التوسع في الإقراض وزيادة المعروض النقدي. أما في حالة تخفيض معدل الخصم فهو يعمل على تشجيع البنوك التجارية للاقتراض منه، ومن ثم الرفع من قدرة البنوك على زيادة المعروض النقدي. لاشك أن هذا سيؤدي إلى خفض الـ Prime rate وهو في الأساس معدل الفائدة التي تعطيها البنوك التجارية للمؤسسات المالية والأفراد.
عندما يكون هناك إفلاس للبنوك أو هلع مالي وبما ينذر بنشوء حالة من الكساد في الأسواق فبإمكان البنك المركزي التدخل المباشر من أجل علاج هذا بغرض توفير السيولة اللازمة، فهو إما أن يلجأ إلى عمليات السوق المفتوحة المكثفة بحيث يزود النظام البنكي بالاحتياطيات اللازمة، ومن ثم النقود لمواجهة طلبات الأفراد والقطاع الخاص أو بخفض معدل الفائدة على القروض المقدمة للمؤسسات المالية والأفراد.
ولعله من نافلة القول، إن أحد أهداف بنك الاحتياطي الفيدرالي استقرار معدل الفائدة، إلا أنه ومنذ تشرين الأول (أكتوبر) 1979 سمح بزيادة تذبذبات أسعار الفائدة لأن هذه التذبذبات في أسعار الفائدة، عندما يكون هناك ارتفاع مثلاً، تؤثر في رغبة من هو على استعداد لبيع السندات، لأن أسعار السندات ستنخفض كنتيجة لذلك. أيضاً التقلبات الحادة في معدلات الفائدة ستؤثر في الاقتراض من قبل قطاع الأعمال كون هذا القطاع سيقضي وقتا وجهدا أكبر في التنبؤ في الوقت المناسب للاقتراض، كما أن هذه المؤسسات المالية الإقراضية قد تقترض لفترة قصيرة وتُقرض لفترة طويلة، ما يجعلها في وضع صعب. لا ننسى كذلك أن التقلبات في سعر الفائدة ستؤدي إلى تقلبات في سعر الصرف ما سيلحق الضرر بالتجارة الخارجية والاستثمار. إذاً بصورة عامة، البنك المركزي دائماً محل نقد خاصةً عندما تكون معدلات الفائدة في ازدياد.
السؤال الأكثر إلحاحاً والجدير بالإجابة، ما تأثير الارتفاع في معدل الفائدة الأمريكية في دول مجلس التعاون الخليجية وخاصة المملكة كونها مرتبطة بمثبت واحد وهو الدولار؟
حقيقة الأمر أن الولايات المتحدة الأمريكية بخفضها لمعدل الفائدة إنما تسعى إلى زيادة الاستثمارات سواء الخارجية أو الداخلية منها، ومن ثم زيادة دورة النشاط الاقتصادي وهي بذلك تعد واضعة للسياسة ومحددة لها Policy setter بينما دول المجلس تعد مُتلقية لهذه السياسة المرسومة. هناك خياران لدول المجلس أحلاهما مر. الخيار الأول الإبقاء على معدلات الفائدة المحلية دون تغيير، وبذلك يكون أعلى من معدلات الفائدة الأمريكية وينتج عن هذا الخيار ضغوط شديدة على الريال نتيجة لزيادة الطلب علية كون العائد على الودائع بالريال أعلى من الودائع بالدولار ونحن نرغب في هذا المقام تجنيب الريال الضغوطات الخارجية.
أما الخيار الثاني وهو أسلوب مجاراة البنك الفيدرالي الأمريكي وذلك بخفض أسعار الفائدة المحلية. يتم ذلك عن طريق خفض الفائدة التي تحصل عليها البنوك التجارية من البنك المركزي وبدورها تقوم البنوك التجارية بتخفيض الفوائد على القروض المُقدمة سواء كانت للأفراد أم المؤسسات التجارية. الأفراد والمؤسسات يصبح لديهم الحافز للاقتراض كون الفوائد التي ستُدفع أقل ما يزيد من السيولة ودورة النشاط الاقتصادي بشكل كبير. بالتأكيد حجم المبالغ التي يمكن ضخها للنظام المصرفي أكبر في حالة عمليات السوق المفتوحة لكنها غير متوافرة في دول المجلس بسبب ضعف أسواق رأس المال. من المتوقع أن ينتج عن سياسة خفض معدل الفائدة زيادة في المعروض النقدي وفي غالبه قد يوجه للأغراض الاستهلاكية ما يؤدي إلى ضغوط تضخمية لا نرغب في حصولها، وكما أنه قد يتضارب أيضاً مع السياسات المالية والنقدية المحافظة ويترتب علية إضعاف لجهود الدولة في مواجهة التضخم

الأحد، 12 أكتوبر 2008

صحف عالمية تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية للخروج من الأزمة المالية

مفكرة الإسلام: بعد الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي هزت أوروبا, دعت كبرى الصحف الاقتصادية فيها إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.

فقد كتب "بوفيس فانسون" رئيس تحرير مجلة تشالينجز موضوعا بعنوان "البابا أو القرآن" تساءل الكاتب فيه عن أخلاقية الرأسمالية؟ ودور "المسيحية" كديانة والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس هذا المنزع والتساهل في تبرير الفائدة، مشيرا إلى أن هذا النسل الاقتصادي السيئ أودى بالبشرية إلى الهاوية.
وتساءل الكاتب بأسلوب يقترب من التهكم من موقف الكنيسة قائلا: "أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود".
ضرورة تطبيق الشريعة

وبجرأة أكثر طالب رولان لاسكين رئيس تحرير صحيفة "لوجورنال د فينانس" في افتتاحية هذا الأسبوع بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة.
وعرض لاسكين في مقاله الذي جاء بعنوان: "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟"، المخاطر التي تحدق بالرأسمالية وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع، وقدم سلسلة من المقترحات المثيرة في مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية.
من ناحيتها, أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية -وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك- في وقت سابق قرارا يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي واشتراط التقابض في أجل محدد بثلاثة أيام لا أكثر من إبرام العقد، وهو ما يتطابق مع أحكام الفقه الإسلامي.
كما أصدرت نفس الهيئة قرارا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامي في السوق المنظمة الفرنسية. والصكوك الإسلامية هي عبارة عن سندات إسلامية مرتبطة بأصول ضامنة بطرق متنوعة تتلاءم مع مقتضيات الشريعة الإسلامية

السبت، 11 أكتوبر 2008

واشنطن بوست: أهي نهاية الرأسمالية الأميركية؟




الناس يستغربون كيف بدت الولايات المتحدة هشة لهذا الحد (رويترز-أرشيف)

في واشنطن بوست, كتب أنتوني فاجولا مقالا حاول فيه توضيح ما يهدد نموذج الرأسمالية الأميركي في ظل خطط واشنطن للتدخل في الأسواق المالية بغية التصدي للأزمة الخطيرة التي تعصف بها, وبين كيف أن واشنطن التي ظلت دائما تحذر الحكومات من التدخل في السوق هي الآن من يمارس ذلك على أعلى المستويات.

وهذا نص المقال:
النموذج الرأسمالي الأميركي يقع ضحية أسوأ أزمة مالية منذ الكساد الكبير.

فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي, والمصارف الأميركية تحمل لواء الاقتصاد الأميركي المبني على النظام المالي الرهيب للسوق الحرة، وظلت الولايات المتحدة تتوقع منافسة الآخرين من خلال هذا النظام، بل وتشجعها.

لكن اضطراب السوق الذي بدأ يستنزف ثروة البلد، وكاد يقضي على وول ستريت يهدد الآن بوضع المصارف, وهي القلب النابض للنظام المالي الأميركي, وإن جزئيا في يد الحكومة.

فالإدارة الأميركية تأخذ الآن بعين الاعتبار التأميم الجزئي لبعض المصارف, عبر شراء نصيب من أسهمها كي تعيد إليها الثقة في إطار برنامج الإنقاذ المالي الذي يبلغ سبعمائة مليار دولار.

إلا أن مفهوم ملكية الدولة في القطاع المالي, حتى وإن كانت مساهما ثانويا, يتعارض مع ما يعتبره منظرو السوق الحرة الأساس الذي يقوم عليه النظام المالي الأميركي.

ومع ذلك فالحكومة الأميركية قد تجد نفسها مضطرة لهذا الإجراء لغياب أي خيار آخر, فالائتمان الذي هو شريان حياة الرأسمالية, توقف عن الجريان, ولا يمكن لاقتصاد يعتمد على السوق الحرة أن يظل مستمرا بتلك الطريقة.

لكن التغير المفاجئ في موقف الحكومة يذهب أبعد من مجرد إنقاذ الصناعة المصرفية، فهي تريد فرض نفسها من جديد بالتدخل في حياة المواطنين بشكل لم يكن ليخطر على بال أحد إبان فترة الاعتقاد بأن "السوق أدرى من غيرها".

وباستحواذها مؤخرا على شركتي الإقراض فاني ماي وفريدي ماك وإنقاذها المالي لشركة أي آي جي أصبحت الحكومة الأميركية من الناحية الفعلية, هي المسؤولة عن ضمان الرهن العقاري والتأمين على الحياة لعشرات الملايين من الأميركيين, وأصبح عدد كبير من الاقتصاديين يتساءل عما إذا كانت لا تزال هناك سوق حرة إذا كانت الحكومة قد انغمست بمثل هذا العمق في النظام المالي.

وبما أن الولايات المتحدة تعتبر نفسها أنموذج الاقتصاد العالمي, فإن هذا التغير في تعاملها مع أسواقها قد يدفع حكومات أخرى عبر العالم إلى تغيير كيفية تعاملها مع التجارة الحرة.

ففي العقود الثلاثة الماضية ظلت الولايات المتحدة تقود "حملة صليبية" لإقناع غالبية دول العالم, خاصة السائرة منها في طريق النمو, برفع يد حكوماتها عن المال والصناعة.

لكن الأنموذج الأميركي للرأسمالية القائم على عدم تدخل الحكومة في السوق هو الذي ينحى عليه حاليا باللائمة في قضية القروض الميسرة التي أفزعت سوق العقارات وأضرت به، وجعلت العجلة المطلقة لوول ستريت تنتج بركة من الاستثمارات السامة لوثت بجراثيمها النظام المالي العالمي.

والتدخل الحكومي الكبير جراء هذه الأزمة, حسب النقاد, سلب واشنطن أكثر فأكثر السلطة الأخلاقية على نشر إنجيل الرأسمالية غير المقيدة.

ويمكن أن تدشن الحكومة الأميركية برنامجا محددا تراهن من خلاله على أخذ نصيب ثانوي في المصارف المضطربة, أو تنفذ برنامجا أوسع يستهدف النظام المصرفي الأوسع.

وفي كلتا الحالتين يمكن أن ينظر إلى هذه الخطوة بوصفها دليلا على أن واشنطن لا تزال أسيرة وول ستريت, فيمكن للخطة مثلا أن لا تجبر بعض الشركات المشاركة على منح مديريها التنفيذيين الأجور المقلصة التي طالب بها الكونغرس, لكن إذا لم تنجح هذه الخطة فربما تضطر الحكومة لرهان مالي أكبر.

يقول أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستيغلتز: "كان الناس عبر العالم يبدون إعجابهم باقتصادنا, وكنا نقول لهم: إن كنتم تريدون أن تكونوا مثلنا فما عليكم إلا أن تسلموا السلطة للسوق.

أما الآن فالمسألة هي أنه لم يعد هناك أي أحد يحترم هذا النموذج بسبب الأزمة الحالية, كما أن الوضع الحالي يدعو للتشكيك في مصداقيتنا, فكل أحد يحس بأنه يعاني حاليا بسببنا".

ففي سيول يرى الكثيرون في الأزمة الأميركية الحالية خطرا عظيما, وفي الوقت ذاته تتزايد النقمة لدى الكوريين بسبب انتشار آثار الأزمة المالية الأميركية عبر العالم, مما تسبب في انخفاض حاد لقيمة العملة الكورية "وون" في ظل صراع الشركات من أجل اقتناء الدولار في خضم تأجج أزمة الائتمان المالي العالمية.

ويشبه وزير المالية الكوري الجنوبي كانغ مان سو الصناديق االمشتقة والوقائية بقمار الكازينو, مضيفا أن كثيرا من الكوريين يستغربون كيف بدت الولايات المتحدة هشة لهذا الحد.

ولو استثيننا عددا قليلا من رؤساء الدول وبعض العناوين الدونكيشوتية لما عثرنا على أحد يتحدث عن موت الرأسمالية, فتطبيق نظريات السوق الحرة ساعد في العقود الأخيرة على انتشال مئات الملايين من الناس, خاصة في آسيا, من بين براثين الفقر.

"
يتزايد الامتعاض والاستياء من النموذج الرأسمالي الأميركي في مقابل النموذج الألماني, لازدراء الأول بالأنظمة وتمجيده للمخاطرة
"
ويتزايد الامتعاض والاستياء من النموذج الرأسمالي الأميركي, في مقابل النموذج الألماني مثلا, لازدرائه بالأنظمة وتمجيده للمخاطرة.

ففي كوريا الجنوبية أدى تزايد انتقاد التصاق الحكومة بالنموذج الأميركي إلى زيادة المعارضة لخصخصة بنك التنمية الكوري الضخم الذي تمتلكه الحكومة.

وكوريا الجنوبية هي إحدى الدول التي استفادت أكثر من غيرها من مزايا السوق الحرة, حيث استطاعت أن تخرج نفسها من رماد الحرب الكورية وتصبح إحدى أكبر اقتصاديات العالم, واستطاعت أن تميز نفسها عن كوريا الشمالية التي بقيت دولة فقيرة في قبضة نظام شيوعي بال وقيادة استبدادية.

لكن تداعيات الأزمة المالية التي بدأت في الولايات المتحدة أصبحت دولية, ففي بريطانيا -التي انضمت رئيسة وزرائها مارغريت تاتشر في ثمانينيات القرن الماضي إلى الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان للدعاية لمزايا الرأسمالية- اتخذت الحكومة هذا الأسبوع خطوات للتأميم الجزئي لنظام البلاد البنكي المترنح.

وفي الجانب الآخر من بحر المانش بدأ الزعماء الأوروبيون, وبزعامة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يطالبون بقانون دولي واسع جديد لفرض الرقابة على الأسواق المالية العالمية.

هذه الدعوات وجدت صداها حتى عند صندوق النقد الدولي الذي كان يتصدر المروجين للسوق الحرة في ما وراء البحار، والذي كان يؤكد خلال أزمة الأسواق الآسيوية والأميركية اللاتينية في تسعينيات القرن الماضي أن "التقليل من تدخل الإدارة في الأسواق هو ذاته الإدارة الجيدة", وها هو الآن نفس الصندوق يتحدث عن الحاجة إلى التنظيم والمراقبة.

وهذا ما عكسه قول مديره العام دومينيك ستراوس كان قبل يومين: "من البديهي أن الأزمة الحالية ناتجة عن فشل ذريع في التنظيم والإشراف في الدول المتقدمة... وفشل في آليات انضباط السوق".

ففي عرض قدمه أول أمس قال ستراوس كان إن دولا في أفريقيا, وأكثرها من التي لديها أخفض نسب اندماج وانفتاح مالي, يتوقع أن تشهد أقل قدر من التأثر بالزعزعة المالية الحالية.

وبعد كلام ستراوس كان بقليل وجه صحفيون سؤالا لرئيس البنك الدولي روبرت زوليك حول "الإرباك" الذي ينتاب العالم المتطور فيما يتعلق بالاستمرار في تطبيق أنموذج السوق الحرة أو التخلي عنه.

زوليك رد بالقول: "أعتقد أن الناس في الدول السائرة في طريق النمو وكذلك تلك المتقدمة مرتبكون بسبب الأحداث الحالية المروعة".

ففي غالبية الدول النامية لا تزال الأنظمة المالية تدار بشكل شبه كلي من طرف الحكومات, رغم الضغوط التي مارستها واشنطن على تلك الدول لحملها على تحويل النفوذ إلى القطاع الخاص وخلق أسواق مالية أكثر حرية, وقد يستمر هذا الوضع لفترة في المستقبل.

وقد قاومت الصين دعوات واشنطن ووول ستريت لإدخال سلسلة واسعة من الاستثمارات الغريبة, تشمل عددا كبيرا من المنتجات المشتقة التي كانت جذابة آنذاك وهي الآن التي يلقى عليها اللوم في تضخيم الأزمة في الغرب, وفي الأسابيع الأخيرة أوضحت بكين ذلك الموقف, قائلة إن ذلك سيمنع أدواتها المالية المعقدة من التوسع.

ومع دفع الحكومة الأميركية حاليا نحو التدخل في الأسواق وبحثها عن دور في تحديد الآليات والنظم الكفيلة بالتصدي للأزمة, يبدو المسرح, مؤقتا على الأقل, مرشحا لأنموذج أكثر تقييدا من التجارة الحرة, خاصة في الأسواق المالية.

"من ينظر إلى العالم حاليا يجد أن الصين تتقدم بشكل جيد على عكس الولايات المتحدة" كما يقول مدير معهد بيترسون للاقتصاد الدولي سي فريد بيرغستن, ويضيف أننا قد "نشهد تراجعا عن العولمة في الأسواق المالية"

فشل النظرية الرأسمالية





أ. د. جعفر شيخ إدريس - 11/10/1429هـ


النظام الافتصادي الرأسمالي السائد في العالم اليوم, الذي انهار بعض أعمدته وبدأت أخرى تهتز في الولايات المتحدة وفي أوروبا وغيرها, نظام يقوم على نظرية اقتصادية معينة هي موضوع حديثنا في هذا المقال. فحديثنا ليس إذن عن الأسباب الاقتصادية وغير الاقتصادية المباشرة التي أدت إلى الكارثة الاقتصادية الراهنة, فهذا أمر له أهله وخبراؤه الذين أشبعوا الكلام فيه، وإنما هو عن النظرية التي كان العمل بها السبب الحقيقي لما يعانيه النظام الرأسمالي من مشكلات. فنقول إن الكارثة الاقتصادية الراهنة كانت دليلا يضاف إلى أدلة أخرى على فشل النظرية التي قام عليها الاقتصاد الرأسمالي. وهي دليل من ناحيتين: من ناحية أن العمل بالنظرية هو الذي أدى إلى الكارثة، ومن ناحية أن علاج الكارثة يتطلب الخروج على ما تقتضيه النظرية.
تقول النظرية إن الاقتصاد الناجح هو اقتصاد سوق يسمح بالملكية الفردية وبالبيع والشراء والادخار ويترك للسوق تحديد أسعار السلع، وإن هذا كله ينبغي أن يكون في حرية كاملة لا يحد منها أي تدخل من الدولة. كان الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث الذي عاش في قرنهم الثامن عشر هو أكثر من اشتهر بالقول بهذه الفلسفة الرأسمالية، لكن المؤرخين يقولون إنه هو نفسه تأثر بكتابات ماندافيل الذي كان أكثر منه غلوا في هذا الأمر فهو المشهور بقوله "إن الرذائل الفردية هي فضائل اجتماعية" في مجال الاقتصاد. كان سميث وغيره يقولون إنه لا بأس على الفرد أن يندفع لتحقيق مصالحه بدافع الأنانية، بل قال بعضهم بدافع الطمع ليحقق مصالحه وإن النتيجة ستكون ـ بفعل تلك اليد الخفية ـ أمر لم يخطر على بال الفرد، هي المصلحة العامة.
لكن الواقع أن هذه اليد الخفية لم تقم بالمهمة التي عزاها إليها سميث وغيره، وإنما أدى ذلك الطمع الفردي المتروك له الحبل على غاربه إلى تقسيم الثروة تقسيما ظالما بحيث إن قلة قليلة من المواطنين تصل أحيانا إلى 10 في المائة تمتلك ما يصل أحيانا إلى 90 في المائة من الثروة، ولا يمتلك 90 في المائة الباقون إلا 10 في المائة منها، ما جعل بعض الاقتصاديين الأمريكيين يقولون ساخرين إنه يبدو أن شيئا أصاب تلك اليد فشلها. وبدأت الفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد حدتها منذ سنين ما جعل بعض الاقتصاديين يقولون إنه إن استمر التفاوت على تلك الوتيرة فسيؤدي حتما إلى كارثة اجتماعية.
إن الأمر المثالي للنظرية الناجحة أن تكون النتيجة أحسن فأحسن كلما كان واقع العمل بها أقرب إلى مثالها النظري. لكن الغريب في النظرية الرأسمالية أنه لو كان الواقع مطابقا لصورتها المثالية لكانت الكوارث أكثر ما تكون. الصورة المثالية للنظرية هي ألا يكون للدولة أدنى تدخل في النشاط الاقتصادي. لكن هذا معناه ألا تفرض الدولة على الناس ضرائب، ولا تضع قوانين تقيد بها النشاط الاقتصادي، كأن تمنع صنع بعض الأشياء الخطرة أو المتاجرة بها، وكأن تحدد الأماكن التي تبنى فيها المصانع، وتضع لها شروطا صحية وبيئية وغير ذلك. لكن كل هذه القيود ما زالت تحدث إلى حد ما في الدول الرأسمالية. الدولة إذن تدخلت لكن تدخلها لم يكن بالقدر الذي يرفع الظلم، بل كانت تميل دائما إلى إعطاء الحرية للأغنياء مهما أدى ذلك إلى التضييق على الفقراء. خذ نظام الضرائب في الولايات المتحدة مثلا. إن الضريبة لا تؤخذ من رأس المال كما هو الحال في الزكاة وإنما تؤخذ فقط من دخل الفرد في العالم المالي. وهذا معناه أنه إذا كان هنالك شخصان أحدهما يمتلك مليوني دولار والآخر لا يمتلك شيئا، لكن دخل كل منهما في السنة المالية كان 100 ألف دولار، فإن نسبة ما يؤخذ منهما متساوية، أي أن الضريبة لا تتعرض لرأس المال الذي كان موجودا قبل السنة المالية. قال كيفن فلبس في كتابه عن "الديمقراطية والثروة" إنه لو أخذت ضريبة مقدارها 3 في المائة على رؤوس الأموال في أمريكا وحدها لما بقي على وجه الأرض فقير! ولعل القارئ لاحظ أن هذه النسبة قريبة جدا من نسبة الزكاة التي تفرض فعلا على رؤوس الأموال.
لكن دعاة الرأسمالية في الغرب لا يزالون يدافعون عنها رغم كل ما يرون من آثارها الضارة. أتدرون ما السبب في هذا؟ السبب أنهم ظنوا أن البديل الوحيد للنظام الرأسمالي الذي عهدوه هو النظام الاشتراكي الذي عرفوا صورا منه في الاتحاد السوفياتي وفي الصين قبل التعديلات التي أحدثها الصينيون فيه. وهم بهذا يخلطون بين كون الرأسمالية اقتصاد سوق وبين كون كل اقتصاد سوق هو بالضرورة اقتصاد رأسمالي.
لكن الحقيقة هي أن هنالك بديلا ثالثا هو الاقتصاد الإسلامي الذي هو اقتصاد سوق لكنها سوق منضبطة بضوابط القيم الإسلامية وهي قيم يغلب عليها مراعاة مصالح الفقراء ما يجنب المجتمعات الآخذة بها ذلك التفاوت الفظيع الذي نتج عن النظرية الرأسمالية. في قول الله تعالى
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (البقرة:275)
بيان لهذين الأمرين ففي إحلال البيع إقرار باقتصاد السوق، وفي تحريم الربا تقييد له بقيم إسلامية هي في مصلحة الفقراء. ثم تأتي الزكاة التي هي أيضا في مصلحة الفقراء، بل تأتي القاعدة العامة التي تأمر بألا يكون المال دولة بين الأغنياء. وإذا كان الغربيون لم يعرفوا النظرية الرأسمالية إلا في صورتها التي قال بها سميث وغيره، فإننا نعلم من القرآن الكريم أنها نظرية قديمة كان من بين من قالوا بها قوم شعيب الذين رفضوا دعوة نبيهم لهم إلى العدل في معاملاتهم المالية بحجة أن المال مالهم فلهم الحق أن يفعلوا فيه ماشاؤوا.
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ. وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (هود:84 -87)
شعار الفلسفة الرأسمالية يكاد يكون ترجمة لقول قوم شعيب هذا. فأهل مدين يريدون أن يفعلوا ما شاؤوا والفلسفة الرأسمالية تقول دعه يعمل laissez fair أي لا تتدخل في نشاطه الاقتصادي.
رفض الإسلام الفلسفة التي احتج بها أهل مدين على أساس أن المال ليس مملوكا ملكية مطلقة للبشر وإنما هو مملوك لله الذي يأمر البشر بأن يتصرفوا فيه وفق أوامره سبحانه.
من الآثار الحسنة التي نتجت عن هذه الكارثة أن كثيرا من المفكرين من اقتصاديين وغير اقتصاديين لم يعودوا يؤمنون بالنظرية الرأسمالية القحة، بل صاروا يدعون إلى تدخل من الدولة لإقرار العدل وصاروا يذمون الأنانية والطمع الذي كان من أسباب هذه الأزمة.
لقد بدأ الاهتمام بتعاليم الإسلام الاقتصادية في المجالات الأكاديمية في الغرب، بل إن الأمثلة العملية للمؤسسات الاقتصادية الإسلامية بدأت تبدي نجاحها بالنسبة لوصيفاتها الغربية كما يحدثنا البروفسور على خان أستاذ القانون في جامعة ووشبيرن في ولاية كنساس الأمريكية في مقال له عن الكارثة الاقتصادية الحالية "لقد بات التمويل الإسلامي يثير قدراً هائلاً من الفضول الأكاديمي. وكثيرون من الخبراء الذين شاركوا في المنتدى الثامن لجامعة هارفارد حول التمويل الإسلامي الذي أقيم في نيسان (أبريل) من هذا العام كانوا يتساءلون حول إذا ما كان بمقدور التمويل الإسلامي أن يمنع حالة الذوبان التي تشهدها الأسواق الأمريكية بسبب ديون الرهن والأوراق المالية المدعومة بالرهن- التي تعرف الآن بالاستثمارات السامة".
المأمول أن يكون في هذا عبرة للمسلمين يعيد إليهم الثقة بتعاليم ربهم ويشجعهم على الاستمساك بها في نشاطهم الاقتصادي لكي يضربوا للناس مثلا عمليا بحسنها وجدواها.