الثلاثاء، 19 أغسطس 2008

الحرب الجورجية الروسية.. مقدمات وأبعاد






منير شفيق

فيما كانت روسيا تتخلى عن مواقع نفوذها الخارجي وصولا إلى المواقع التي تمس أمنها القومي مباشرة، شن حلف الأطلسي "الناتو" عام 1999 حربا على بلغراد، أي على المعقل الصربي الأرثوذكسي الذي يعني روسيا مباشرة.

وبالفعل حاولت روسيا يلتسين الدفاع عن حليفها الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش، وهو ما منع أميركا من شن الحرب تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة، لأن الفيتو الروسي كان بانتظارها ولهذا شنت الحرب باسم حلف الناتو.

الحرب على بلغراد كانت حدثا خطيرا، فهي الحرب الأولى التي تقع في أوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومعروف لمن يدققون في الإستراتيجيات الدولية في مرحلة الحرب الباردة أن أوروبا كانت مركز الصراع بين حلفي الناتو ووارسو.

ومن ثم كانت أي حرب مباشرة أو بالوكالة تندلع لتغير الأمر الواقع لحدود الدول ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تعني التحول فورا إلى حرب عالمية نووية بين أميركا والاتحاد السوفياتي، ولهذا تجنب الطرفان اللعب بالنار في أوروبا، الأمر الذي أتاح لها سلما مديدا.

لولا الافتراء الذي عم وطمّ في روسيا في عهد الرئيس بوريس يلتسين، ولولا اختراقه بمراكز قوى مؤمركة ومصهينة داخل الدولة والمجتمع لما تجرأت إدارة بيل كلينتون وحلف الأطلسي على شن حرب ضد صربيا.

وقد أثبتت الوقائع فعلا أن تراجع يلتسين في اللحظة الحرجة وتوجهه إلى ميلوسوفيتش ليقبل عروض وقف الحرب التي حملتها الوساطة الروسية/الفنلندية وقد تضمنت شروط حلف الأطلسي، أن التقدير الغربي كان في محله من حيث استسلام يلتسين قبل استسلام ميلوسوفيتش، بل ما كان ميلوسوفيتش ليستسلم لولا استسلام يلتسين الذي اعتمد عليه وكان سنده طوال الوقت.

"
الحرب ضد صربيا كانت استثناء بالنسبة لاندلاع حرب في أوروبا، وهو استثناء حتى في مرحلة السنوات العشر التي تلت انتهاء الحرب الباردة
"
المقصود هنا التأكيد على أن الحرب ضد صربيا كانت استثناء بالنسبة لاندلاع حرب في أوروبا، وهو استثناء حتى في مرحلة السنوات العشر التي تلت انتهاء الحرب الباردة .

ومن هنا فقد جاء خارج السياق شن الحرب بين روسيا وجورجيا بعد أن انتهى عهد يلتسين، واستعادت روسيا قوتها وتماسكها من خلال تصفية مراكز القوى المؤمركة والمصهينة، ومن ثم تمكن فلاديمير بوتين من إعادة بناء الدولة الروسية ذات الأنياب والمخالب النووية الصاروخية وقد غدت مرة أخرى، دولة كبرى، يجب أن يحسب حسابها، أو يجب أن تصبح شريكا في النظام الدولي ما بعد انتهاء الحرب الباردة .

خلال السنوات السبع الماضية انكب الرئيس الروسي بوتين على إخراج روسيا من حالة الانهيار والتفكك، وقد استفاد استفادة قصوى من إستراتيجية المحافظين الجدد في أميركا بعد أن تخلوا عن -أو أجّلوا- إستراتيجية احتواء روسيا وتفكيكها وتجريدها من سلاحها النووي والصاروخي.

وهي الإستراتيجية التي رسمها بوش الأب، وتابعها بيل كلينتون (السعي لشراء السلاح النووي أو التعويض عن تدميره تدريجيا) وبدهي أن النصر يظل ناقصا ما بقي ذلك السلاح بيد روسيا.

وبالفعل كادت الإستراتيجية الأميركية في السنوات العشر الأولى بعد انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي أن تذهب بروسيا إلى الانحلال السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الكامل، في عهد بوريس يلتسين الضعيف والفاسد، فكان الاستسلام في حرب صربيا والغرق في الديون علامتين لا تخطئان في الدلالة على ذلك المصير.

ولكن مجيء فلاديمير بوتين إلى الرئاسة بصفقة مع يلتسين نفسه من جهة وضمن أجواء غضب واسع، داخل الجيش والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى، كما داخل المجتمع عموما، على ما آل إليه وضع روسيا بطرس الأكبر، أو روسيا لينين وستالين إلى بريجنيف، من جهة ثانية ثم مجيء المحافظين الجدد بإستراتيجيتهم الطائشة التي ذهبت إلى إهمال متابعة تفكيك روسيا والضغط على الصين لتلقى المصير نفسه، (التفكيك والانهيار)، وذلك بجعلهم ما أسموه "الحرب ضد الإرهاب" وأولوية الإستراتيجية الأميركية، وكان المقصود منها كما عكسه الواقع العملي للسياسة الأميركية، إعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير "وفقا لأهداف المشروع الإسرائيلي الصهيوني".

فالمحافظون الجدد وعلى رأسهم بول وولفوفيتر كانوا وراء الإستراتيجية الأميركية، لإدارة جورج دبليو بوش، ونائبه ديك تشيني، ووزير دفاعه دونالد رمسفيلد، ورئيسة مجلس الأمن القومي في حينه كوندوليزا رايس، وهؤلاء صهاينة ما فوق الليكود في مشروعهم لتأمين مستقبل إسرائيل بما لا يدع مجالا لخطر.

"
مشروع الشرق الأوسط الكبير كان يقتضي استخدام العضلات العسكرية الأميركية مباشرة إلى جانب مختلف ألوان الضغوط من أجل تفكيك بعض البلدان العربية وفرض استسلام كامل لمصلحة إسرائيل على بعضها الآخر
"
بل بما يجعلها شريكة أميركا في الهيمنة المباشرة على بلدان منطقة الشرق الأوسط الكبير، بعد تفتيته وتركيعه.

فمشروع الشرق الأوسط الكبير كان يقتضي استخدام العضلات العسكرية الأميركية مباشرة إلى جانب مختلف ألوان الضغوط من أجل تفكيك بعض البلدان العربية وفرض استسلام كامل لمصلحة إسرائيل على بعضها الآخر.

وكذلك وضع أولويات متدرجة تبدأ بغزو العراق وتفكيكه ومحوه من الخريطة كدولة عراقية موحدة ذات هوية عربية إسلامية جنبا إلى جنب مع إطلاق يد شارون لإنهاء الانتفاضة والمقاومة، بل وأدنى ممانعة فلسطينية.

ثم الضغط على سوريا (الشروط التي حملها كولن باول وزير الخارجية فورا إثر احتلال العراق) ثم الانتقال لحرب شاملة على لبنان لتصفية المقاومة تليها حرب على إيران.

أما الدول العربية الأخرى، وفي المقدمة مصر والسعودية، فقد وضعت تحت الابتزاز للإخضاع والتطويع الكاملين من خلال إثارة موضوع الإصلاح وتعميم الديمقراطية.

هذه الإستراتيجية اقتضت مهادنة روسيا والصين للتركيز على هذه المهمة التي تحولت إلى ورطة، وبدت صعبة للغاية، خصوصا مع صمود الشعب الفلسطيني وتوحده في الانتفاضة والمقاومة، كما اندلاع المقاومة العراقية فورا بعد الاحتلال، ورفض سورية الخضوع للشروط التي حملها كولن باول، وتعثر السياسات الأميركية بصورة عامة.

ولهذا وجدت أميركا بوش نفسها منذ 2004 مضطرة لعقد صفقات مع روسيا والصين لتمرير أي قرار تريد استصداره من مجلس الأمن فيما يتعلق بلبنان والعراق وسوريا وإيران.

وكان الثمن في هذه الصفقات دائما هو غض النظر عما يفعله بوتين في روسيا ومن حولها، حتى لو كان الثمن ضرب قوى مؤمركة ومصهينة، وعما تفعله الصين في غزو أسواق العالم وعقد الاتفاقيات النفطية وتطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية.

وقد سمحت هذه الإستراتيجية الأميركية لدول أخرى بالاستفادة من تركيز أميركا على ما أسمته "الشرق الأوسط الجديد" وغرقها أو استنزافها فيه مثل الهند وعدد من بلدان أميركا اللاتينية.

وإذا بالهند تتحول إلى عملاق اقتصادي وحتى نووي، وإذا ببلدان أميركا اللاتينية تشهد موجات ثورية جديدة ضد العولمة المؤمركة والهيمنة الأميركية، وهكذا تم كل ذلك من أجل عيون "مشروع الشرق الأوسط الجديد".

ما تقدم أريد منه إظهار ما حدث من متغيرات جديدة في الوضع الدولي خلال السنوات السبع الماضية من حيث تدهور وضع أميركا واستعادة روسيا لوضعية الدولة الكبرى، فضلا عما حدث من تطورات في مصلحة الصين والهند وأميركا اللاتينية، إلى جانب ما حدث من تغيرات في موازين القوى في مصلحة قوى المقاومة والممانعة شعبيا ورسميا في المنطقة نفسها التي استهدفتها إستراتيجية المحافظين الجدد.

باختصار عندما توصف إستراتيجية المحافظين الجدد بالطائشة فلا يقال ذلك بقصد التحريض أو التنديد، وإنما لتفسير النتائج التي نجمت عنه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

فقد دفعت هذه الإستراتيجية، الدول التي تنافس أو يمكن أن تنافس هيمنة أميركا العالمية عسكريا واقتصاديا إلى مرتبة ثانية، واضعة في أولوياتها دولا وقوى لا تنافس، ولا يمكن أن تنافس في مدى قريب أو متوسط، أو حتى بعيد تلك الهيمنة، وما كان مبعث هذا طيش جهالة، وإنما الغرض هو خدمة المشروع الصهيوني وتسخير أميركا من أجله حتى ولو لبضع سنين.

"
عندما توصف إستراتيجية المحافظين الجدد بالطائشة لا يقال ذلك بقصد التحريض أو التنديد، وإنما لتفسير النتائج التي نجمت عنها بصورة مباشرة
"

ولكن هذا "الغرض" (الغرض مرض كما يقول المثل العربي) حمل جهالة بالضرورة بمعرفة من راح يحاربهم، كما من راح يهادنهم ويغض الطرف عما يفعلون.

ولهذا فأميركا ستعض أصابعها ندما على ما أضاعته خلال السنوات السبع الماضية، أو على ما قدمته هدية لا تقدر بثمن لروسيا والصين والهند والبرازيل وإيران (وربما تركيا اقتصاديا)، فضلا عن قوى شعبية تصلبت في المقاومة والمواجهة والممانعة، ناهيك عن إيران، وسوريا، وفنزويلا، وبوليفيا.

ومن ثم وعلى ضوء هذه المعادلة، يجب أن تقرأ الحرب الجورجية/الروسية وما قد ينجم عنها من نتائج وتداعيات على أوروبا والعالم، ولا سيما بالنسبة إلى العلاقات الأميركية/الروسية.

صحيح أن المعتدي في هذه الحرب هي جورجيا –فهي التي ابتدأتها، وهي التي اجتاحت بقواتها العسكرية أوسيتيا الجنوبية رامية قفاز الحرب في وجه روسيا– وصحيح أن هذا التجرؤ على الشقيق الأكبر (الأشقاء السوفيات لمدى يزيد على السبعين عاما) ما كان ليحدث لولا التنسيق مع أميركا وتشجيعها بل تحريضها عليه.

هذا التنسيق يكشفه التسليح الأميركي/الإسرائيلي السابق للجيش الجورجي كما تدل عليه المسارعة الأميركية بنقل القوات الجورجية من العراق إلى ميدان الحرب، وما تظهره أميركا من دعم لوجستي وسياسي، وحشد إعلامي ضد روسيا.

وأخيرا فإن الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي أذكى من أن يقدم على الحرب دون تنسيق مع السيد الأميركي، ولكن السؤال ما الذي دعا إدارة بوش إلى دفع جورجيا إلى شن حرب هي الأخطر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

لأنها حرب في أوروبا أولا، ولأنها حرب ضد روسيا مباشرة ثانيا، ولأن روسيا ميدفيديف وبورتين، ليست روسيا يلتسين بالتأكيد ثالثا، ولأنها حرب مواجهة بين روسيا وأميركا رابعا؟.

ردود الفعل الجورجية والأميركية على ضخامة الرد الروسي العسكري الحاسم تدل على ارتباك ووقوع بالمفاجأة، كأن روسيا هي التي شنت الحرب وليسوا هم (بوش، وساكاشفيلي، ورؤساء أوربيون آخرون).

إذا كان المعنيون وراء العدوان العسكري الجورجي على روسيا لم يقدروا أن يكون رد الفعل العسكري الروسي بهذا الحجم والحسم، فهذه مشكلتهم، لا سيما إدارة بوش التي كتب عليها قدرا أن تخطئ في كل تقدير موقف اتخذته، فمن ذا الذي يمكنه أن يخطئ في رؤية الفارق بين يلتسين، وبوتين وميدفيديف، دون التقليل من أهميته، أو بين روسيا يلتسين، وروسيا بوتين؟

يبدو لا أحد غير جورج دبليو بوش يمكنه أن يفعل ذلك حتى غدا خبيرا اختصاصيا في ارتكاب الأخطاء أو في تخريب بيت كل من يحالفه، أو يتواطأ معه أو يسايره، بهذا القدر أو ذاك.. والأمثلة كثيرة وليس حال برويز مشرف ببعيد مثلا.

قد يذهب البعض إلى القول إن فشل إدارة بوش في التوصل إلى اتفاق بين أولمرت وعباس بالرغم مما بذل ويبذل من جهود، وما تحقق من خطوات لم تعلن، كما أن التردد في شن حرب ضد إيران بالرغم من أنها لم تزل على الأجندة وتحت الأخذ والرد، فرضا على إدارة بوش الواقعة تحت ضغط الانتخابات أن تجرب حظها ضد روسيا من أجل خدمة الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية والنصفية للكونغرس، وذلك بنقل الحرب ضد روسيا إلى حرب إعلامية، وتحويل الأنظار عن مسلسل الإخفاقات على كل صعيد.

بيد أن الرد الروسي العسكري إذا ما تكلل بنصر سياسي من خلال فرض أغلب الشروط الروسية عبر الوساطة الأوروبية، قد يقلب السحر على الساحر في الانتخابات الأميركية أيضا، فباراك أوباما واقف بالمرصاد مزايدة ضد الروس ونقدا لأخطاء إدارة بوش.

"
تجربة حرب جورجيا أميركا ضد روسيا، ومهما كانت النتائج، أعادت لروسيا هيبة الدولة الكبرى عسكريا، وأين؟ في قلب أوروبا حيث يعني التدخل العسكري بهذا الحجم تصعيدا يلوي الأذرع، أو يذهب إلى الاقتراب من النووي في حال التدخل الأميركي المباشر
"

أما من جهة أخرى، وهذا هو الأهم، فإن تجربة حرب جورجيا أميركا ضد روسيا، ومهما كانت النتائج، أعادت لروسيا هيبة الدولة الكبرى عسكريا، وأين؟

في قلب أوروبا حيث يعني التدخل العسكري بهذا الحجم تصعيدا يلوي الأذرع، أو يذهب إلى الاقتراب من النووي في حال التدخل الأميركي المباشر، أو إلى بداية حرب باردة ذات نكهة(شروط وسمات) غير تلك التي كانت بين المعسكرين السوفياتي والأميركي.

خروج روسيا بحل سياسي في مصلحتها بعد ردها العسكري سيكون فاتحة لتغيير في أولويات الإستراتيجية الأميركية مع كل من ماكين وأوباما، بل إن أميركا منذ الآن بحاجة إلى صوغ إستراتيجية يتفق عليها الحزبان.

وذلك تمشيا مع التقليد الأميركي حيث لا بد من اتفاق الحزبين على الأولويات الأساسية لإستراتيجية أميركا الخارجية، وهو ما شذ عنه المحافظون الجدد حين استفردوا بوضع إستراتيجية تخطت ما كان متفقا عليه بين الحزبين، وتركوا أصحاب إستراتيجية الحزبين الجمهوري والديمقراطي يلهثون وراءهم ضاربين كفا على كف.

هذه الإستراتيجية المفترضة لا بد من أن تضع في أولوياتها محاصرة روسيا والصين، كلتيهما أو إحداهما، وضبط تطور الهند والبرازيل، واستعادة الموقع القيادي للدولار الذي أخذ يتدهور، وإنقاذ الاقتصاد من الركود والتضخم، ومن ثم إعادة علاقاتها بمختلف الدول على ضوء الإستراتيجية الجديدة.

وإذا ما صح ذلك فسوف تخبو الحملة المفتعلة النابعة من إستراتيجية المحافظين الجدد ضد الإسلام والمجتمعات الإسلامية، أو ما عرف بالإسلاموفوبيا.

فالمعيار للعلاقات بين الدول سيرتبط بالموقف من الأولوية الجديدة التي ستحدد للإستراتيجية، ولا يستبعدن أحد أن يصار إلى استخدام بعض الحركات الإسلامية والبلدان الإسلامية ضد روسيا أو الصين عندئذ.

ما حدث في الوضع العالمي حتى الآن هو أن دولا كبرى، بما في ذلك أوروبا الغربية أخذت في الصعود لتحتل موقعا قياديا في النظام الدولي الجديد الذي لم يتكون بعد انتهاء الحرب الباردة، وقد تجاوز مرحلة محاولة أميركا جعله أحادي القطبية، وأخذ يتجه رويدا رويدا منذ 1995 نحو تعدد القطبية، وقد تكرس ذلك الاتجاه اليوم بشكل صارخ مع ما حدث من تغييرات في عهد إدارتي جورج دبليو بوش، الأولى والثانية.

إن حرب جورجيا ستشكل في تداعياتها علامة لإعادة تشكل العلاقات الروسية مع كل من أوروبا وأميركا، ولكن ذلك لن يأخذ شكله المحدد والنهائي "خصوصا" أذا نجحت المساعي الأوروبية التي تقودها فرنسا، في تهدئة النزاع وإطفاء فتيل المواجهات المسلحة، إلا بعد الانتخابات الأميركية، وربما في الأشهر القليلة المتبقية من إدارة بوش المتهاوية تحت ضربات الإخفاقات والفشل.

وبهذا تعود المعادلة الدولية لتحترم موازين القوى الحقيقية والواقعية بعيدا عن أغراض المحافظين الجدد، وأيديولوجيتهم وجهالتهم في تقدير الموقف على كل صعيد.

وكلمة أخيرة، هي أن إستراتيجية المحافظين الجدد وسياساتهم، عدا ما ألحقته من كوارث بالعراق على الخصوص، لم تكن سيئة على العالم عموما حين هوت بقوة أميركا وسمعتها، وأحدثت مثل ذلك وأكثر بالكيان الصهيوني، ومن ثم أفادت آخرين كثيرا من حيث لم تقصد، فما من إمبراطورية أخذت بالتدهور إلا نتيجة أخطاء إستراتيجية ترتكبها، ومفاسد تحل بها، ابتداء من المركز ونزولا، وبالمناسبة صاحب إدارة بوش الكثير من الفساد المالي لا سيما في العراق مما فاقم خللها الإستراتيجي.
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني

خبراء: ازدياد النفوذ الروسي سيعقّد عمل مجلس الأمن




وصول القوات الروسية إلى مشارف تبليسي هل يترجم تأثيرا متزايدا بملف إيران النووي؟(الجزيرة)

يرى دبلوماسيون وخبراء أن ازدياد النفوذ الروسي، كما بات واضحا عبر النزاع بين روسيا وجورجيا، من شأنه أن يعقد اعتماد قرارات حول المسائل الحساسة المدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن الدولي مثل الملف الإيراني.

وبينما كان 15 عضوا في مجلس الأمن يجهدون السبت من أجل وضع مشروع قرار معدل يضفي صفة رسمية على وثيقة وقف إطلاق النار التي عرضتها فرنسا ووقعتها كل من موسكو وتبليسي، أوضح دبلوماسي روسي أن أي نص نهائي لهذا المشروع يجب أن توافق عليه بلاده.

وقلل من أهمية بعض الأصوات في أميركا وأوروبا التي تطالب بفرض عقوبات على "استخدام روسيا المبالغ به للقوة" ضد جورجيا كما وصف حلف شمال الأطلسي.

ونفذت روسيا حربا خاطفة استمرت خمسة أيام على جورجيا بعد هجوم شنته تبليسي ضد جمهورية أوسيتيا الجنوبية لاستعادتها. وتتمسك موسكو حاليا ببقاء أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا خارج الأراضي الجورجية، وهي نقطة ستجعل بالتأكيد المحادثات المقبلة حول وضع هاتين المنطقتين أكثر صعوبة.

الحرب الباردة
وأثار التلاسن بين مندوبي الولايات المتحدة وروسيا في الأمم المتحدة الخشية من عودة الحرب الباردة.

تشوركين قال إن موسكو حذرت مرارا من مخاطر توسيع الأطلسي (رويترز-أرشيف)
وقال دبلوماسي معلقا على الموضوع "إنه لأمر جميل أن يقال نريد فرض عقوبات على الروس، لكننا في الواقع نحتاج إليهم من أجل حل المسائل الكبرى في العالم".

وردا على سؤال عن تأثير النزاع الجورجي المحتمل على مفاوضات الدول الست (أعضاء مجلس الأمن الدولي الدائمين وألمانيا) المتوقعة الشهر المقبل من أجل فرض عقوبات جديدة على إيران، قال الدبلوماسي إن "العديد من الأشخاص الحكماء يأملون ألا يكون لهذا أي تأثير أو أن يكون تأثيره محدودا".

وقال الخبير في الشؤون الجورجية ديفد فيليبس من معهد دراسات "أتلانتيك كاونسيل" في واشنطن "أعتقد أن الروس سيتصرفون بما يخدم مصلحتهم الوطنية التي تلتقي هذه المرة مع مصلحة الأميركيين".

كما يبدو موقف موسكو المتشدد بمثابة رد على الإهانة والتحدي اللذين تعرضت لهما مع إعلان استقلال كوسوفو واعتراف عدد كبير من الدول به.

وحذرت روسيا، التي تدعم صربيا الرافضة لاستقلال إقليمها السابق، مرارا من أن استقلال كوسوفو ستكون له انعكاسات على أراض أخرى متنازع عليها.

كما تثير طموحات الجمهوريات السوفياتية السابقة في الانضمام إلى الحلف الأطلسي قلق موسكو.

توقيع بولندا وأميركا اتفاق الدرع الصاروخي دفع جنرالا روسيا إلى تهديد الأولى (الفرنسية)
وقال المندوب الروسي إلى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين الخميس "لم نخف يوما موقفنا لجهة اعتبار توسيع الحلف الأطلسي خطأ، وأن هناك مشاكل أمنية جديدة تطرح عند كل موجة توسيع".

الدرع الصاروخي
وقال نائب رئيس هيئة الأركان في الجيش الروسي أناتولي نوغوفيتسين بعد التوصل إلى اتفاق بين وارسو وواشنطن حول نشر الدرع الأميركية المضادة للصواريخ في بولندا الخميس، إن بولندا تجعل من نفسها هدفا للجيش الروسي "بنسبة 100%" بقبولها نشر أجزاء من هذه الدرع على أراضيها.

ووصف ديفد فيليبس كلام نوغوفيتسين بأنه "غير مسؤول"، بينما رأى الخبير في شؤون الأمن الدولي في معهد "أتلانتيك كاونسيل" جيم تاوسند أن هذه العبارات "تدل على أن هناك عملا كثيرا ينتظر الإدارة الأميركية الجديدة لكي تجعل من روسيا شريكا ولكي تتخلى موسكو عن فكرتها القائلة بأن الدرع تستهدفها".

وستثبت واشنطن في بولندا بحلول 2012 عشرة صواريخ اعتراضية للصواريخ البالستية الطويلة المدى. كما ستثبت رادارا في جمهورية التشيك يسمح لواشنطن بحماية أراضيها من تهديدات دول مثل إيران حسبما تقول.

تايمز: قرار تأجيل عضوية جورجيا في الناتو صحيح





قالت صحيفة تايمز إن إرجاء منح جورجيا وأوكرانيا عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) كان قرارا صائبا ليس بسبب التهديد الروسي بل لأن أيا من الدولتين لا تستحقها بعد.

ففي افتتاحيتها اليوم تحت عنوان "مستقبل الناتو", أضافت الصحيفة أن كلا من البلدين بحاجة لتعزيز إصلاحاتهما الديمقراطية, كما يتعين على الحلف إصلاح ما ارتكبه من أخطاء في أفغانستان.

وذكرت أن أزمة القوقاز كشفت أن الحلف بحاجة إلى التطور بوتيرة أسرع لحماية أعضائه, لكنها أكدت كذلك ضرورة وجوده أكثر من أي وقت مضى.

وأردفت قائلة إن اجتياح روسيا لجورجيا أثبت أن مبدأ الأمن الجماعي الذي يقوم عليه حلف الناتو هو وحده الضمانة الجادة لوحدة أراضي الدول الأعضاء, مشيرة إلى أن روسيا بما أقدمت عليه من عمل تسعى لأن يكون لها حق الاعتراض على توسيع الحلف وأن ثمن حرمانها من ذلك سيكون باهظا.

وأقرت الصحيفة أن استمالة العواطف والعقول في خضم محاربة تمرد متعصب أمر عسير للغاية في أحسن الأحوال، وطموح مبالغ فيه مع وجود قوة متعددة اللغات مستجلبة من 40 دولة.

وطالبت حلف الناتو –الذي سيعقد قمة طارئة غدا الثلاثاء في بروكسل- بالتصدي ليس للأزمة الناشبة في القوقاز فحسب، بل وضرورة تبسيط نظم القيادة والمراقبة في مناطق النزاعات.

حينها فقط –تقول تايمز- تكون ضمانات وحدة الأراضي ذات نفع لأعضاء الحلف الجدد في تحقيق مبتغاهم لردع العدوان.

محللون: جورجيا دفعت ثمنا باهظا بحربها مع روسيا




القوات الجورجية منيت بخسائر كبيرة في الحرب مع روسيا (رويترز-أرشيف)

اعتبر محللون أن الثمن الذي دفعته جورجيا في نزاعها العسكري مع روسيا كبير جدا، مشيرين إلى وجود قوات أجنبية على أراضيها بكثافة، وانتصار الانفصاليين على جبهتين، وأضرار هائلة على الصعيد الإنساني.

ولم يؤد قرار الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي إرسال قوات إلى أوسيتيا الجنوبية، إلى إغراق البلاد في أزمة عميقة فحسب، بل حرم هذا البلد من رأسي جسر في هذه المنطقة الانفصالية، كما في الجيب الانفصالي الآخر الموالي لروسيا أبخازيا.

كما أن هذا القرار أدى أيضا إلى القضاء على كل أمل لتبليسي في استعادة السيطرة على كل أراضي البلاد يوما ما.

ووفقا للمحلل السياسي المستقل في تبليسي تورنيكي شاراشينيدزه، فإنه لا أحد كان يعتقد أن الأمور ستصل إلى هذا الحد، "ولم يكن هناك من يتوقع أن يقصف الروس أهدافا في كل جورجيا، وأن يحتلوا نصف البلاد".

وحتى نهاية الأسبوع، لم يعرف أي الأراضي ستخسرها جورجيا، بينما يسيطر الجنود الروس على مناطق كاملة في البلاد على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعته موسكو السبت.

صيغ مبهمة
ورأى محللون أن بعض الصيغ المبهمة في خطة السلام الأوروبية، تسمح للروس باتخاذ "إجراءات أمنية إضافية" مما يمكنهم من البقاء طويلا في جورجيا.

"
الروس يعتقدون بوضوح أن وقف إطلاق النار يمنحهم الحق في الذهاب أينما شاؤوا، وتدمير البنى التحتية الجورجية

"

وقال سفانتي كورنيل نائب مدير معهد آسيا الوسطى والقوقاز في ستوكهولم "في الواقع أجبرت جورجيا على قبول اتفاق لم يكن سوى وقف لإطلاق النار"، ومضى يؤكد أن الروس يعتقدون بوضوح أن وقف إطلاق النار يمنحهم الحق في الذهاب أينما شاؤوا، وتدمير البنى التحتية الجورجية.

ولعل تصريح رئيس الوزراء الجورجي لادو غورغينيدزه بأن تبليسي وقعت الاتفاق تحت الضغط، يتفق تماما مع رؤية المحللين.

استقلال محتمل
ولكن حتى اذا سحبت روسيا كل قواتها من الأراضي الجورجية باستثناء أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، فستفقد جورجيا موقعين إستراتيجيين مهمين في المنطقتين هما القرى الجورجية في أوسيتيا الجنوبية وممرات كودوري التي استعادتها في 2006 من أبخازيا.

ويمكن للانفصاليين وموسكو الآن العمل على الإبقاء على سيطرتهم على الجمهوريتين غير المعترف بهما.

ورأى دبلوماسي غربي رفيع المستوى أن موسكو يمكن أن تستخدم سابقة كوسوفو للاعتراف باستقلال هاتين الجمهوريتين أو إدخالهما الاتحاد الروسي.

وكانت روسيا عارضت استقلال كوسوفو الإقليم الصربي، الذي أعلن استقلاله من جانب واحد واعترفت به دول عدة من بينها الولايات المتحدة.

ومع كل هذه المعطيات فإن المحللين يرون أن هزيمة جورجيا ليست مطلقة، وحسب سفانتي كورنيل فإن "جورجيا خسرت على صعيد البنى التحتية والاقتصاد والقوة العسكرية ووحدة أراضيها، لكن الروس يواجهون الآن تحالفا واسعا من الدول، كما أن علاقات روسيا مع الغرب لن تبقى على حالها أبدا".

حلف الأطلسي يجتمع اليوم لبحث أزمة جورجيا وروسيا




من اجتماعات قمة الناتو الأخيرة في بوخارست (الفرنسية-أرشيف)

يعقد حلف شمال الأطلسي (الناتو) اجتماعا اليوم يبحث فيه الأزمة الجورجية الروسية وقضية ضم جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف، وسط مؤشرات على أن هذه التحرك لن يكون متسرعا بسبب الانقسام بين أعضاء الحلف حول هذه المسألة.

ومن المنتظر أن تلتقي وزيرة الخارجية الجورجية إيكا تكيشيلاشفيلي الثلاثاء مع عدد من نظرائها في الناتو بينهم وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا في إطار اجتماع طارئ سيعقد في مقر الحلف بالعاصمة البلجيكية.

وقال المتحدث باسم البعثة الجورجية لدى الأطلسي إن الوزيرة تكيشيلاشفيلي ستشارك في هذا اللقاء لكونه مخصصا لبحث النزاع العسكري بين جورجيا وروسيا.

ومن المتوقع أن يجدد الحلف تضامنه مع تبليسي ووعده لجورجيا وأوكرانيا بضمهما إلى صفوفه على الرغم من الدعوات الروسية للحلف إلى اتخاذ موقف "متوازن" من هذا النزاع وعدم المضي في سياسته التوسعية نحو الشرق.

رايس: الغرب سيمنع روسيا من تحقيق نصر إستراتيجي من هجومها على جورجيا (الفرنسية-أرشيف)
وفي هذا الإطار أشار مراسل الجزيرة في بروكسل نور الدين بوزيان إلى أن بعض الدول مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا لا تريد الاستعجال في ضم هاتين الدولتين حرصا منها على عدم توتير العلاقات مع روسيا.

ونقل المراسل عن دبلوماسي في الحلف أن بعض الدول ترى أنه من غير المناسب استعداء روسيا متسائلا عن تداعيات الأمور المحتملة لو أن الحلف وافق في قمته الأخيرة على ضم جورجيا التي كانت ستورط الحلف في مغامرة عسكرية يقوم بها "سياسيون غير ناضجين".

رسالة واضحة
من جانبه اعتبر وزير الخارجية البريطاني ديفد ميليباند في تصريح صحفي نشر الثلاثاء أنه يتعين على حلف شمال الأطلسي تأكيد التزامه بضم جورجيا وأوكرانيا إلى صفوفه.

وأضاف الوزير البريطاني أنه يجب على الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي وعبر قرارات الأمم المتحدة تعزيز دعمهما لكل من جورجيا وأوكرانيا بالتوازي مع توجيه رسالة واضحة لروسيا على خلفية "مغامراتها واعتدائها".

وكانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قد أعلنت الاثنين أن حلف الأطلسي سيجدد التأكيد على إمكانية انضمام جورجيا وأوكرانيا إليه لمنع موسكو من تحقيق "هدفها الإستراتيجي" بتسديد ضربة إلى توسيع الحلف.

لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن الحلف لن يسرع عملية انضمام الجمهوريتين السوفياتيتين السابقتين وأن البحث في هذه المسألة متروك لاجتماع الحلف المقرر في ديسمبر/كانون الأول المقبل.

وحذرت رايس -التي كانت تتحدث إلى الصحفيين على متن الطائرة التي أقلتها إلى بروكسل- روسيا من تداعيات ما وصفته باللعبة الخطيرة التي تمارسها مع الولايات المتحدة والأطلسي مؤكدة أن الغرب سيمنع روسيا من تحقيق نصر إستراتيجي من هجومها على جورجيا.

السناتور بيدن خلال زيارته لجورجيا (الفرنسية-أرشيف)
وتأتي هذه التحركات وسط تشكيك أميركي في جدية الانسحاب الروسي من الأراضي الجورجية، في الوقت الذي اعتبرت فيه فرنسا على لسان وزير خارجيتها أن مسألة الانسحاب خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

وكانت القيادة الروسية قد أعلنت الاثنين بدء انسحابها من الأراضي الجورجية مشيرة إلى أن سحب كامل قواتها قد يستغرق عدة أيام.

معونات عاجلة
في هذه الأثناء أعلن عضو مجلس الشيوخ الأميركي السناتور جوزيف بيدن –الذي قام بزيارة لجورجيا قبل أيام- أن الولايات المتحدة ستدرس اقتراحا يهدف إلى تقديم مساعدة اقتصادية عاجلة بقيمة مليار دولار لجورجيا.

واعتبر بيدن -وهو رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ وأحد المرشحين لمنصب نائب الرئيس مع باراك أوباما- أن "هذه الأموال ستساعد الشعب الجورجي على تعويض الخسائر التي لحقت باقتصاده وتوجيه رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن هذه الديمقراطية الفتية".

"
اقرأ

-تداعيات أحداث أوسيتيا الجنوبية
"

كما وجهت هيئات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية نداء الاثنين لجمع أكثر من ستة ملايين دولار بشكل طارئ لمساعدة عشرات آلاف المدنيين الذين تضرروا من النزاع في جورجيا.

وأوضح مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة أن الأموال ستقدم لتسع وكالات دولية بينها المفوضية العليا للاجئين والصندوق من أجل الطفولة (يونيسف) وإلى 16 منظمة غير حكومية لتقديم المساعدة إلى أكثر من مائة ألف شخص نزحوا داخل حدود جورجيا خلال الأشهر الستة الماضية.