انقرة (رويترز) - كسرت محاكمة جماعة يمينية متهمة بمحاولة القيام بانقلاب للاطاحة بالحكومة التركية التي لها جذور اسلامية وتسعى للانضمام لعضوية الاتحاد الاوروبي المحرمات وأخضعت الجيش القوي لتحقيق قضائي.
ويأمل ليبراليون في أن تذهب القضية لابعد من هذا وتؤدي الى اختراق تاريخي لمؤسسة "الدولة الخفية" التي تعني القوميين المتشددين في قوات الامن التركية وفي النظام البيروقراطي للدولة لانها كما يقولون تقاوم الاصلاح.
لكن حزب العدالة والتنمية الحاكم أمامه مهمة صعبة ليثبت أن القضية التي تنظرها المحكمة خلال أقل من ثلاثة أسابيع ليست حملة تستهدف معارضيه.
واذا فشل فيمكن أن تواجه الحكومة اتهامات من قبل علمانيين متشددين بمحاولة فرض نظامها الاسلامي الخاص من خلال ممارسة الضغط على القضاء.
وقال باسكين اوران الكاتب والاستاذ بجامعة أنقرة "لا نعلم الى أين يسير التحقيق لكن هناك شيئا واحدا مؤكدا هو أن تركيا تتغير...الجيش لم يعد محصنا لا يمس. تركيا تفرغ أمعاءها."
واعتقل اكثر من مئة بينهم جنرالان متقاعدان في تحقيق مستمر على مستوى البلاد منذ 15 شهرا مما زاد التوتر السياسي المرتفع بالفعل.
وينفي الجيش الذي أطاح بأربع حكومات منتخبة في الاعوام الخمسين الاخيرة أي صلة له بالجماعة المعروفة باسم (ارجينيكون). لكن القاء القبض على جنرالين بارزين متقاعدين في يوليو تموز حدث لم يسبق له مثيل في البلاد التي طالما تمتع فيها الجيش فعليا بمكانة لا تمس.
وفي الشهر الماضي احتجز خمسة ضباط برتبة لفتنانت وطالب بالكلية الحربية. وكانت هذه المرة الاولى التي يعتقل فيها ضباط في الخدمة في تحقيق قالت وسائل الاعلام انه ينطوي على مؤامرات باسماء حركية منها القفاز والفتاة الشقراء وضوء القمر.
وتحاكم جماعة ارجينيكون في 20 اكتوبر تشرين الاول الجاري بتهم التخطيط لاغتيالات وتفجيرات حتى يتسنى للجيش التدخل ويطيح بحكومة حزب العدالة والتنمية.
ويقول أوميت كارداس وهو قاض في المحاكم العسكرية ويكتب من وقت لاخر في الصحف التركية "على الاقل أثارت ارجينيكون بعض علامات الاستفهام والشكوك في أذهان الناس. هذه المؤسسات من المحرمات."
وينفي رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي وزعيم حزب العدالة والتنمية الاتهامات بأنه يسعى الى تقويض النظام العلماني المطبق في البلاد منذ 85 عاما كما ينفي ممارسة ضغوط على المحاكم للانتقام من المعارضين العلمانيين. لكنه سيحتاج الى التحلي ببرود الاعصاب على مدار الاشهر القادمة.
وأضاف كارداس "انها فاتحة مبادرة أكبر لكن ليس واضحا الى أي مدى عقدت الحكومة العزم على دعم العملية."
ويرى اصلاحيون ليبراليون أتراك داخل حزب العدالة والتنمية وخارجه أن الاصلاحات التي تتمشى مع توصيات الاتحاد الاوروبي تعوقها "الدولة الخفية" ويعرفونها بأنها مؤسسة رجعية تشمل القضاء وأجهزة الامن والنظام البيروقراطي الحكومي.
وما دام نظام الدولة الخفية لا يزال يعمل ولا يقر الجميع بأنه موجود أصلا فلن يحالف الاصلاحات الليبرالية على صعيد حقوق الانسان والحريات نجاح يذكر.
وأصبحت جماعة ارجينيكون التي تستمد اسمها من الاساطير التركية الوطنية بالنسبة لكثيرين رمزا لتلك الدولة الخفية.
وتزخر الصحف بتكهنات و"تسريبات" تربط جماعة ارجينيكون بخطط انقلاب الى جانب اشياء أخرى من بينها أن لها صلات بالمتمردين الانفصاليين الاكراد والشيوعيين او الاسلاميين.
وأحجم مسؤولون عن الادلاء بتفاصيل عن قرار الاتهام الذي يقع في 2500 صفحة والشكوك المحيطة بأن دوافع ممثل الادعاء لها صلة قوية بالاستقطاب الذي تعاني منه البلاد.
ولم يتدخل الجيش التركي الذي يمارس نفوذا هائلا من وراء الكواليس في القضية. وألقي القبض على الجنرالين المتقاعدين في منزليهما بمجمع سكني تابع للجيش.
ويقول جنكيز اكتر الاستاذ بجامعة باهجشير باسطنبول "الامل الرئيسي للدوائر الليبرالية في هذه البلاد هو أن تكون ايرجينيكون فرصة لتركيا للتصالح مع ماضيها واكتشاف حقيقة المذنبين الاشرار في جهاز الدولة."
ومعظم المعتقلين من منتقدي الحكومة الحالية ومن بينهم رؤساء تحرير صحف ومحامون وزعيم حزب قومي صغير مما دفع منتقدين الى القول ان التحقيق له دوافع سياسية.
ويرى جاريث جينكينز وهو محلل أمني يتخذ من اسطنبول مقرا له أن "ارجينيكون فرصة كبيرة يضيعها الساسة."
وأضاف "المأساة الحقيقية هي أن حزب العدالة والتنمية يستغل ارجينيكون لتشويه سمعة معارضي الحكومة وهذه عقبة كبرى في طريق تصفية الماضي. الحقيقة ستضيع."
ووصل حزب العدالة والتنمية الى الحكم عام 2002 ويضم ليبراليين وطبقة وسطى متدينة صاعدة. والحكومة الحالية هي اكثر حكومات تركيا استقرارا منذ عقود كما أشرفت على فترة من النمو الاقتصادي القوي فضلا عن بدء محادثات الانضمام لعضوية الاتحاد الاوروبي.
وقضية ارجينيكون هي بالنسبة للبعض جزء من حرب بالوكالة بين حزب العدالة والتنمية والعلمانيين انتقلت الى ساحات المحاكم. ورفضت المحكمة العليا في تركيا في يوليو تموز حظر الحزب الحاكم اثر اتهامه بأنشطة مناهضة للعلمانية لكنها فرضت عليه غرامة.
وأسس مصطفى كمال اتاتورك تركيا العلمانية الحديثة لتكون دولة مركزية لها ميول استبدادية وتعتمد اعتمادا مفرطا على الجيش لحمايته ممن تعتبرهم أعداء.
لكن تركيا تغيرت بشدة في الاعوام الاخيرة. وطرأت عليها تغيرات اجتماعية ضخمة بسبب الهجرة وتحرير الاقتصاد والاصلاحات التي طلبها الاتحاد الاوروبي هزت دعائم دولة أتاتورك.
فتدخل الجيش أصبح شيئا من الماضي كما أن كيانات "الدولة الخفية" غير مقبولة في اوروبا.
وقال اوران ان جماعة ارجينيكون يمكن أن تهز دوائر السلطة العليا في الدولة لتظهر تركيا اكثر شفافية.
وأضاف "بعد ارجينيكون ستصبح تركيا دولة أفضل. اكثر ديمقراطية واكثر استعدادا للانضمام الى اوروبا."
من ايبون فيليلابيتيا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق